محمد بوزيدان

لمَّا كان العمل الأدبي الموجَّه للطفل من الوسائط القادرة على تفجير مكنوناته و التأثير العميق على طاقاته النفسية و الإبداعية في حاضره و مستقبله، فإن القصة هي الجنس الأدبي الوحيد القادر على الاستجابة لحاجات الطفل بما تملكه من سلاسة و عفوية في الطرح أحيانًا، فإنها تؤهل حواسه عن طريق الحكي إلى الإقبال عليها؛ إذ هي الوسيلة المثلى التي تلعب دورًا فعالاً، و تحقق أهدافًا ومضامين يسعى جميعنا إليها.

و قد خلط الكثير من الناس في فهم الدور الذي تقوم به القصص في حياة الطفل، بل يعتقد البعض بأن أية قصة تصلح لأن تقدَّم للطفل ما دامت تحوي في مضمونها أحداثًا مشوقة، تحقق عنصر الجذب و الإمتاع للطفل، مع أن خبراء التربية قد أكدوا على أن القصة التي تقدم للطفل لا بد و أن تزوِّده بمختلف القيم الثقافية و الوجدانية و النفسية و السلوكية، و أن تثري خياله دون المغالاة في ذلك، و تنمي مهاراته و إبداعاته، و أن تكون واضحة الهدف، خالية مما يبعث على الخوف والشك و اليأس.(1)

نسجل بكل أسف أننا نعاني من نقصٍ وإهمالٍ كبير في مجال كتابة قصص الأطفال باللغة العربية، فكثير من الأدباء العرب يصبون جلّ اهتمامهم على كتابة وإثراء شتى مناحي الأدب العربي باستثناء الأدب والقصص الخاصة بالأطفال، حتى وإن وجدت، فالبعض منها يكون بلا قيمة، أو فكرة، أو هدف بنّاء يسهم في تعليم الطفل، أو غرس قيم لديه. في حين عند اطلاعنا على الأدب الأجنبي نجد أن كثيراً من الكتاب يولون مجال كتابة قصص الأطفال أهمية كبيرة، بل هناك من يتخصص في المجال لتكون جلّ أعماله الأدبية تنحصر على قصص الأطفال. ومن السهل كذلك ملاحظة حجم التنوع الذي تتسم به قصص الأطفال في اللغات الأخرى، فالبعض منها يكون لهدفٍ تعليميٍ بحت، والبعض الآخر يكون لهدف تنمية قدرات الطفل على التخيل والإبداع، إضافة إلى قصص الأطفال التي تركز على غرس القيم والمعتقدات الإيجابية لديهم، وغيرها من المجالات والأنواع.

ومن هنا يمكن لنا أن نلحظ حجم الفجوة الكبير الذي يتواجد بين قصص الأطفال عربية المصدر، وقصص الأطفال أجنبية المصدر، الأمر الذي يؤكد على ضرورة التوجه والاهتمام بترجمة قصص الأطفال من اللغات الأخرى إلى العربية، والعمل على إثراء مكتبات أطفالنا بمختلف أنواع القصص التي من شأنها أن تسهم في بناء أجيالٍ مثقفةٍ قادرةٍ على ترك أثرٍ ذي قيمة.

إن ترجمة قصص الأطفال للعربية يعد نوعاً من أنواع الترجمة التخصصية التي تتطلب من المترجم أن يكون ملماً بأسسها وقواعدها الصحيحة، وهي التي يتم من خلالها تحويل سرد القصة وحبكتها من اللغة الأجنبية للغة العربية بطريقة تسهم في إيصال المعنى، والجوهر الأساسي بطريقة سلسة ومفهومة ومسلية، وتعريف الطفل بأشياء وأفكار جديدة لم يكن ليعرفها لولا وجودها في الأدب المترجم، لكن في ذات الوقت يجب أن يتم مراعاة نقلها وإيصالها بطريقة مناسبة للثقافة واللغة العربية.

و لو ألقينا نظرة على سيل القصص و الحكايات التي تعكف دُور النشر في عالمنا العربي على إيصالها للطفل، لوجدناها تستجيب للنقل المكثف، خاضعة لمؤثرات أجنبية، حملت في طيات أقاصيصها سمومًا متعددة؛ إذ نجد أن أكثرها يتنافَى مع هذه القيم و السلوكيات و الآداب التي أكدها خبراء التربية، و نحن هنا لا نصادر على عملية الترجمة؛ لأننا لسنا ضد التواصل أو التطعيم الثقافي مع الآخرين… و لكن هذا التواصل يجب أن يقوم على الاختيار الحسن؛ لنصلح ما فسد من هذه القصص من فكر، و نصحِّح ما انحرف فيها من خُلق أو سلوك، و نحوِّلها لما يتناسب مع مُثُلنا و أفكارنا.

و لاشك أن أدب الأطفال يختلف عن أدب الكبار لما يجب أن يتوافر فيه من اشتراطات فنية وأسلوبه وقيمية ونفسية وعمرية واجتماعية. وإذا كان شرط المرحلة العمرية واحدا من أهم هذه الاشتراطات فإن المواءمة الثقافية والحضارية والاجتماعية والقيمية تعد الأهم على الإطلاق. وهذا ما لا يتوافر في الأدب المترجم للأطفال لأنه نشأ في سياق ثقافي وحضاري مختلف تماما. وهنا تكمن واحدة من أهم مخاطره لأنه يحمل قيم تصلح لسياق ثقافي وحضاري آخر ولا تصلح إطلاقا للسياق العربي وقيمه العربية والإسلامية .

على الرغم من الأهمية والفوائد العظيمة السابق ذكرها عن ترجمة قصص الأطفال من اللغات الأجنبية للعربية، إلا أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القصص مهما كانت ذات قيمة وهدف، يبقى مصدرها أجنبيا يختلف في ثقافته وفكره عن ثقافتنا العربية، ويتمتع بسماتٍ لا تتلاءم مع قيمنا ومعتقداتنا، الأمر الذي يفرض على مجال ترجمة قصص الأطفال بعض المحددات، منها:

ـ الانتقائية:

قبل أن يتم العمل على ترجمة قصص الأطفال، لا بد بداية من العمل على انتقاء القصص التي سيتم ترجمتها بدرجة عالية من الحرص على اختيار ما هو مفيد ونافع، ويتلاءم مع ثقافتنا العربية، فالهدف الأساسي من ترجمة قصص الأطفال هو تزويد الطفل بالمعارف والأفكار القيّمة التي ستسهم في ترك الأثر الإيجابي على فكره، ومعتقداته وبالتالي لا بد من انتقاء القصص التي سيتم ترجمتها واختيار الأفضل منها.

ـ الدقة والحذر:

قد تكون هذه المعلومة صادمةً، لكن ترجمة قصص الأطفال تعد من أصعب مجالات الترجمة وأكثرها تطلباً للدقة والحذر، والسبب في ذلك أن كل ما يقرأه الطفل يتأثر به، ويترسخ في ذهنه، ومن الفكر السائد عند الكثيرين أن كل ما يذكرُ في الكتاب هو صحيح وواقع ولا بد من الإيمان به، و بالتالي إذا كانت القصص الأجنبية تحوي كلماتٍ ومصطلحاتٍ ومسمياتٍ لا تتلاءم مع ثقافتنا العربية، فهنا يكون أمامنا خياران: إما أن يتم استثناء القصة بشكل كامل، أو أن يتم التبديل والتغيير في ترجمة بعض الكلمات لجعلها أكثر ملاءمة، وتماشياً مع الثقافة العربية.

و تحري الدقة في الترجمة، واختيار الكلمات، والمصطلحات أمرٌ في غاية الأهمية في مجال ترجمة قصص الأطفال.

ـ سعة الفكر وبعد النظر:

هناك الكثير من شركات الترجمة و المترجمين الذين يغفلون عن جانب مهم من جوانب ترجمة قصص الأطفال، وهو ضرورة التمتع بسعة الفكر وبعد النظر والتفكير في الأبعاد الثقافية والفكرية والقيمية التي قد ترمي إليها القصة، فبعض القصص قد تكون في محتواها العام ملائمة ولا إشكالية بها، ولكن عند التعمق في أفكارها والأهداف التي قد ترمي إليها، قد نجد أن الكثير منها لا يتلاءم وثقافتنا العربية، والتمسك بترجمتها، والعمل على طرحها في الأسواق سيسهم في تحقيق أثر سلبي على الأطفال وأفكارهم ومعتقداتهم.(2)

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ إشكالية قصص الأطفال المترجمة وتأثيرها على القيم،عليمة نعون، موقع نظرات مشرقة، 25 يناير 2014.

ترجمة قصص الأطفال من الإنجليزية للعربية، موقع التنوير.


شاركها.

كاتب و مترجم وسياسي مغربي

اترك تعليقاً

Exit mobile version