بلال الداهية
ومن أكثر المناطق التي قدم منها المهاجرون إلى بني سعيد جبال غمارة والأخماس وبني مسارة ومصمودة: فمن بني زجل الغمارية هاجرت أسرة الهراس وعائلة المرزوقيين وأسرة ملول وفرع من عائلة “مخشان” يعرف ب”امخيشن” بالتصغير، وأسرة “أحجام”. ومن غمارة أيضا، من بني زيات تحديدا، بنو مهدي العبدالواديون. ومن الأخماس هاجرت طائفة بني نبخوت المنتسبين إلى الشرف العمراني، ويعرفون في بني سعيد بلقب “ابن مخوت” أو “بمخوت” بالإدغام. ومن مدشر “العنصر” في بني مسارة جاءت بعض العائلات المنتسبة إلى الشرف الكنوني خاصة أسرة “الزراد” التي نزلت أولا في مدشر “تاسيفت” وانتقلت منه لتؤسس مدشر “إزرادن” وعرف بعض أقاربهم بلقب “النجار”. ومن مصمودة هاجرت أسرة “الحائك” المنتسبة إلى الشرف وأقامت بمدشر “أغنوري”.
وحل بقبيلة بني سعيد أيضا مهاجرون من الريف، فنزل بعضهم من حاملي لقب “الريفي” في مدشر “الريفيين”، والبعض لقب “أورياغل” في ناحية وادي لو. ونزل بعض المرابطين الغلبزوريين في القرن الحادي عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد في مدشري “أمسا” و”تمرابط”. بل توجد في بني سعيد أسرة مصرية الأصل هي أسرة الوفائيين التي تعرف في وادي لو بلقب “الهجام” وقد جاءت إلى بني سعيد عن طريق قبيلة بقوية الريفية ولا زال بهذه الأخيرة إلى الآن فرع كبير منها، وكان نزوحها من مصر إلى المغرب في القرن التاسع للهحرة/ الخامس عشر للميلاد. ويزعم سكان مدشر “بني بغداد” أن أصلهم من مدينة بغداد العراقية، ويحمل أكثرهم لقب “البغدادي” وبعضهم لقب “الطفري” وموطن هذا الفرع الثاني مدشر “تزغارين”. كما تشير بعض الروايات الشفهية إلى انحدار أسرة “الحسيسن” في مدشر “أعنان” من الجزائر.
ازدادت أهمية بني سعيد خلال العهدين السعدي والعلوي، وأصبح لمراسيها البحرية مكانة هامة، وهذا التمكروتي الذي أرسل في سفارة من المنصور السعدي إلى الدولة العثمانية يعود مبحرا في اتجاه تطوان، فتصده عنها رياح عاتية، ويضطر إلى النزول في مرسى وادي لو والمبيت فيه.
وحينما تأسست دعائم دولة العلويين وتم للسلطان إسماعيل بن الشريف الظفر، ونكب أسرة النقسيس في تطوان، عين على المدينة قائده محمد بن يعقوب، وأصدر إليه الأمر ببناء برج للمراقبة فوق شاطئ “أمسا” بينه وبين رأس “قاع أمجري” عرف ب”برج أمسا”. وقد بقي قائما إلى حدود عهد الحماية الإسبانية فتم هدمه، ولم يكن يبعد عن تطوان إلا بخمسة عشر كيلومترا فقط. وكانت مهمة الإشراف على هذا البرج خلال القرن التاسع عشر موكلة إلى عائلة “الناصر” التطوانية.
وحينما انكشف ضعف الدولة المغربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووقعت فريسة الأطماع الأجنبية، وكثر عدم انضباط القبائل كما رأينا في نماذج عديدة سابقا، لجأت قبيلة بني سعيد إلى امتهان قطع الطريق على المسافرين، حتى صارت قبيل عهد الحماية مشهورة جدا بذلك، وعانى من هذه الظاهرة على الخصوص المسافرون من قبائل الريف تجاه تطوان الذين كانوا يمرون عبر الساحل، مما اضطر الكثير منهم إلى تفضيل السفر مرورا بالجبال الشاهقة في بلاد كتامة وغمارة على المرور بجوار الساحل.
لقد عرفت الحياة الدينية في قبيلة بني سعيد تغيرا كبيرا مع مطلع العصر الحديث، وهذا حال معظم القبائل الغمارية بصفة عامة، وهي التي وصفت بضعف التدين وانتشار بقايا المعتقدات الوثنية سواء من طرف البكري أو الإدريسي أو ابن خلدون، كما وصفت في مطلع العصر الحديث بانتشار البدع والمناكر. مما أدى إلى ظهور طبقة من العلماء الذين حاولوا محاربة هذه الظواهر وبقاياها، وكان أقدمهم أبو القاسم ابن خجو الحساني، وهو الذي أنشأ في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد مدرسة فقهية في كل جبال غمارة طورها تلاميذه من أمثال الإمام الهبطي وبني عرضون. وتتحدث بعض المصادر أن أبرز تلاميذ ابن خجو في بني سعيد هو الشيخ ابن مغلاي السعيدي، الذي كان إماما لمسجد في إحدى قرى بني سعيد، فزاره ابن خجو وتلميذه وصهره الإمام عبد الله الهبطي وصلوا في ذلك المسجد، وخطب ابن خجو في جمع عظيم من طلبة القرآن السعيديين ودعاهم إلى محاربة المناكر، فأجابوا دعوته وانطلقوا إلى أماكن شرب الخمر يريقونها ويكسرون جرارها.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو سعيد [5]](https://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/462304432_2388918321310495_2844435119582679473_n-1.jpg)