في مشهد صادم يعكس تحولات مقلقة داخل النسيج الاجتماعي لمدينة طنجة، تتكرر في الآونة الأخيرة صورٌ ليلية قاتمة في بعض الفضاءات العمومية، حيث تتحول الحدائق المجاورة لـمعهد باستور بمرشان ومحيط المقبرة الرومانية والدائق المجاورة إلى مسرح مفتوح لسلوكيات منحرفة يقودها قاصرون في عمر الزهور.
القصة التي رواها أحد الآباء بحرقة، ليست سوى نموذج من واقع يتسع في صمت. فبحسب شهادته، يعاين بشكل متكرر تجمعات لشباب وفتيات صغار، في ساعات متأخرة من الليل تصل إلى ما قبل الفجر، في أوضاع لا تليق لا بسنهم ولا بالقيم المجتمعية، حيث يتم استهلاك المخدرات بشكل علني، وتُسجل ممارسات مخلة بالحياء في فضاءات يفترض أن تكون آمنة ومحروسة.
المثير للقلق في هذه الظاهرة، ليس فقط السلوك المنحرف، بل الخلفية الاجتماعية لهؤلاء القاصرين. فهؤلاء، حسب نفس الشهادة، لا ينتمون إلى فئات مهمشة أو مشردة، بل يظهرون بمظهر لائق، وملابس أنيقة، ما يرجح أنهم ينحدرون من أسر ميسورة الحال. وهو ما يطرح تساؤلات حارقة: أين دور الأسرة؟ هل يدرك الآباء والأمهات أماكن وجود أبنائهم في تلك الساعات؟ وهل لا يزال لمفهوم المراقبة الأسرية والانضباط معنى داخل بعض البيوت؟
إن هذا الانفلات الليلي يكشف عن أزمة مركبة، تتجاوز مجرد “سلوك طائش” إلى خلل عميق في منظومة التنشئة، حيث يغيب التوجيه، ويُترك الأبناء فريسة للشارع، في مرحلة عمرية حساسة تحتاج إلى التأطير والمواكبة أكثر من أي وقت مضى.
ولا يمكن في هذا السياق إعفاء باقي الفاعلين من المسؤولية. فضعف المراقبة الأمنية في هذه الفضاءات خلال ساعات متأخرة، وغياب برامج تأطيرية للشباب، إضافة إلى سهولة الولوج إلى المخدرات، كلها عوامل تُغذي هذا الانزلاق الخطير.
إن ما يحدث في مرشان ليس مجرد حالات معزولة، بل مؤشر على تحول صامت يهدد تماسك المجتمع، ويستدعي دق ناقوس الخطر. فحين يتحول الليل إلى ملاذ للقاصرين خارج رقابة الأسرة، وحين تُختزل الحرية في الفوضى، فإننا أمام جيل مهدد بالضياع، مهما كانت وضعيته الاجتماعية.
ويبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستتحرك الأسر والسلطات والمجتمع قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى واقع مستفحل يصعب احتواؤه؟ أم سنواصل الاكتفاء بالأسف، بينما ينزلق أبناؤنا بصمت نحو المجهول؟


