بقلم : عبد القادر محمد حسن الغزاوي
يعتبر العلامة والأديب والشاعر محمد الأمين بن عبد الله الجعفري الحجاجي الصحراوي، من أبرز علماء وفقهاء وأدباء المغرب في القرن التاسع عشر الميلادي ، حيث كانت له حظوة كبيرة عند سلاطين الدولة العلوية الذين عاصرهم ، كالسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان ، وابنه السلطان مولاي الحسن ، وكذلك لدى بعض الوزراء والولاة والحكام .
لا يعرف تاريخ ميلاده، إلا أنه من أبناء منطقة شنجيط بالصحراء، وقد حل بمدينة مراكش حوالي سنة 1254هـ/ 1838م، حسب ما ورد في كتابه : ” الارتجال في مناقب ومشاهد سبعة رجال ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال ” ، واستقر بها إلى أن وافته المنية سنة 1296هـ / 78 ـ 1879 م . ودفن بزاوية سيدي عبد القادر الجيلالي بحي ضباشي بمراكش .
وقد جاء في كتاب ” الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ” ترجمة له نقتطف منها ما يلي :
( محمد الأمين بن عبد الله بن محمد الأمين الحجاجي الجعفري الحسني ، الصحراوي ، المراكشي الدار والقرار ، دفينها ، قدم مراكش في شبيبته ، وألقى بها عصا التسيار زهاء أربعين سنة ، وتزوج وسكن بدرب زاوية مولاي عبد القادر الجيلاني بحومة ضبشي منها ، وكان يدرس بها في حياته ، كان أديبا علامة تاريخياً شاعراً ناظماً متصوفاً مستحضراً ، جماعة واعية ، له ولوع بالأدب واطلاع على التاريخ ، وشغف باللغة وحفظ الكثير من حوشيها ، أخذ الطريقة المختارية عن أصحابها ، وله محبة في الصالحين ، وكان زوارا لهم ، معتنيا بلقاء المشايخ والاستفادة منهم … توفي المترجم رحمه الله تعالى خمسة وتسعين ومئتين وألف عن نحو السبعين سنة وكانت له جنازة حافلة . ) (1) .
وكان العالم محمد الأمين من أبرز العلماء ، حيث كان له إلمام كبير باللغة والأدب والشعر والتاريخ ، وقد مارس مهنة التدريس بمراكش ، يقول عنه عبد الرحمان بن زيدان : ( محمد الأمين بن عبد الله بن محمد الأمين الحجاجي الجعفري الصحراوي . عالم مشارك ، عُرف عنه اهتمامه باللغة . أقام بمراكش حوالي 40 سنة ، وبها توفي عام 1296 هـ / 78 ـ 1879 م ) (2) .
ويعتبر كتابه : ” الارتجال في مناقب ومشاهدِ سبعة رجال ومَن اشتهر في مراكش أو دخلها مِن مشاهير صُلحاء الرجال ” ، يضم إثنتين وثمانين ومئتي صفحة ، وهو موجود بالخزانة الملكية ولا يزال مخطوطاً ، من الكتب القيمة التي تناولت موضوع سبعة رجال وبعض مشاهير وأولياء وصلحاء مدينة مراكش . وقد ألفه تلبية لطلب أحد أصدقائه الأقربين منه ، حيث يقول في الصفحة رقم 84 من الكتاب نفسه : ( وقد طلب مني مَن لا يسَعُني إلا مساعدَتُه، لا مخالفتُه، مجموعاً في وفياتِ رجال هذه الحَضْرة المراكشية ، فامتثلتُ أمرَه ) (3) .
وقد ألف كتاب ” المجد الطارف والتالد في الرد على أسئلة الناصري أحمد بن خالد ” سنة 1294 هـ ، وذلك استجابة لطلب المؤرخ المغربي أبو العباس أحمد بن خالد الناصري صاحب كتاب ” الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ” ( الذي راسله قائلا : ” ثم الالتماس من كرمكم السامي ، وبحر علمكم الطامي ، أن تنظروا في كلام اتفق لي جمعُه من غير قصد ، … ، كوجه الترتيب في زيارة الشيوخ السبعة ، ووجه الاقتصار على الإشادة بهم ، والابتهال بجاههم ، … وأولية ذلك وسببه . ) . وقد سمى هذا الكتاب أيضا ” التحرير ، على أسئلة الحَبر النِّحرير ” وكذلك سماه ” تحبير التحرير ، على أسئلة الناصري سيّدي أحمد بن خالد السّلْوي النِّحرير ” . (4) .
وقام برحلة طويلة عبر تراب المملكة المغربية ، فجال بعض المدن وحط الرحال ببعضها ، كمدن الرباط وسلا وفاس ومكناس وطنجة والقصر الكبير . حيث كان يلقى الترحيب والتقدير والاحترام من طرف مستقبليه من الحكام والعلماء والفقهاء ، في المدن التي زارها . وذلك من أجل نشر العلم والمعرفة ، وتدريسه ، وكذا التزود بما ينقصه من العلوم التي كانت سائدة في زمانه ، والاطلاع على ما تزخر به تلك المدن من معالم أثرية وتراثية ، ولقاء العلماء ومحادثتهم ومجالستهم ، في حلقات من العلم والفكر، وزيارة ضرائح الأولياء والصلحاء ، وسجل تلك الرحلة القيمة والمفيدة ضمن كتابه المشار إليه أعلاه ، والذي لا زال مخطوطا بالخزانة الملكية .
وخلال هذه الرحلة التي قام بها داخل المغرب زار مدينة القصر الكبير بشمال المغرب ، هذه المدينة التي لها تاريخ قديم ، بصفتها إحدى المدن المغربية العريقة والقديمة ، والتي يقول عنها الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله : ( تعتبر أول حاضرة في المغرب ما زالت قائمة … وقد كانت مهبط رجالات العلم والفكر والتصوف في إفريقيا الشمالية في مختلف العصور ) (5) .
وهي تعتبر مدينة الأولياء والصلحاء ، والمفكرين والعلماء ، والكتاب والأدباء ، والفنانين والشعراء . ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ) . الآية رقم 23 من سورة الأحزاب . وقد أنجبت مدينة القصر الكبير على مر العصور العديد من الأعلام ، كانت لهم مكانة كبيرة وشأو عظيم في مختلف المجالات والميادين الثقافية والفكرية والجهادية والنضالية والوطنية ، تشهد على ذلك مساهماتهم العديدة ، وإنتاجاتهم الكثيرة في الحياة الأدبية والعلمية .
ناهيك بالأدوار البارزة والهامة التي كانت لها عبر المراحل التاريخية والعلمية والفكرية المختلفة ، حيث ساهمت بحظ وافر في تكوين العقول النيرة والأقلام الساطعة في تطور الفكر والثقافة . حيث عرفت نهضة علمية كبيرة وبارزة ، أفرزت ثلة من العلماء والأدباء أخذوا عن عدد من الشيوخ والعلماء والصلحاء من أصل مغربي وأندلسي في مختلف المساجد والزوايا والمدارس العتيقة والمراكز الثقافية ، التي كانت موجودة بها قديما رغم قلتها . فأضحت مدينة القصر الكبير منافسا علميا وفكريا كبيرا لبعض المدن العلمية والثقافية ، كمدينة فاس ، وأصبحت مقصد طلاب العلم وناشريه .
وأعود إلى زيارة العالم محمد الأمين بن عبد الله الجعفري الحجاجي لمدينة القصر الكبير ، حيث عندما حط الرحال بهذه المدينة ، اتصل ببعض رجالاتها وعلمائها وأعيانها من أبنائها البررة ، وزار بعض مآثرها التاريخية ومساجدها العتيقة ، ونزل عند بعض أعيان المدينة الذين استقبلوه أحسن استقبال ، واستضافوه بقلب رحب وبكل كرم وحفاوة وترحاب . وذلك عند ذكر مدينة القصر الكبير التي أشار إليها بإسم قصر كتامة كما كانت تعرف ، قادما إليها من مدينة طنجة ، في مخطوطه الثمين والقيم ” كتاب الارتجال في مناقب ومشاهير سبعة رجال ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال ” . وقد قال عن إقامته بمدينة القصر الكبير في الكتاب نفسه ما يلي : ( فبقيتُ في القصر نحو ثلاثة أشهر ووجدت أهل القصر أناسا كراما ، طبعهم عربي في الكرم وحسن الخلق وبعض بداوة عربية ، فناسبوا طبعي الصحراوي وكأنهم مراكشيون . وحضرت مجلس فقيهم المسن المفتي العشام ( بفتح العين المهملة والشين المعجمة المشددة ) ، وكان يقرأ صحيح البخاري في المسجد الكبير، ولا بأس به في الفروع الفقهية وفي الصناعة الأثرية . وكنت ازور صلحاء البلد كل يوم ، واخبروني أن قاضي القضاة الفقيه سيدي العباسي السجلماسي كان قاضيا عندهم ، وأن منارة مسجدهم الكبير وجدوا فيها حجرا منقوشا بالسريانية فقرأه القاضي وأخبرهم أن معنى ما فيه أن هذه الصومعة كان فيها راهب من الرهبان العيساوية ، ولا أدري هل قال إنه أدرك عيسى عليه السلام أو أدرك بعض حوارييه . ولما تلاقيت مع الفقيه المذكور بعد ذلك أخبرني بصحة ما ذُكر . وتوفي الفقيه سيدي سعيد ـ رحمه الله ـ في أواخر ذي القعدة الحرم عام اثنين وتسعين ومائتين وألف ، وتوفي أخوه الفقيه المفتي سيدي الهادي ـ رحمه الله ـ في أول ربيع الأول عام تسع وخمسين ومائتين وألف . ثم زرت من القصر الغوث الرباني القطب الصمداني شيخ مشايخنا مولانا عبد السلام بن مشيش نفعنا الله به وامتدحته بقصيدة مطلعها :
بَدَا جبل الأعلامِ بُشرَاك أَبْشِر ×× فحطّ رحَال الحاج فيه وبَشّر .
ثم رجعت للقصر وسافرت منه لمدينة فاس ) (6) .
وقد غادر مدينة القصر الكبير في اتجاه مدينة فاس مستأنفا رحلته المباركة . وتعتبر هذه الزيارة التي قام بها هذا العالم لمدينة القصر الكبير، شهادة من عالم جليل في حق هذه المدينة وأهلها وعلمائها وفقهائها، ومكانتها التاريخية والفكرية ومآثرها المتنوعة والمتعددة .
ومن مؤلفاته الكتب التالية :
1 ـ كتاب الارتجال في مناقب ومشاهير سبعة رجال ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال . مخطوط بالخزانة الملكية .
2 ـ كتاب مقدمة الارتجال في مشاهير سبعة رجال .
3 ـ كتاب المجد الطارف والتالد في الرد على أسئلة الناصري أحمد بن خالد .
4 ـ كتاب النهج المختار والكوثر المدرار في مناقب الشيخ وأشياخه الأبرار .
ـ المراجع والهوامش :
1 ـ كتاب الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام تأليف عباس بن إبراهيم . تحقيق عبد الوهاب ابن منصور . الجزء السابع ، السنة 1977 م . المطبعة الملكية . الصفحتان رقم 21 ورقم 22 . الترجمة رقم 858 .
2 ـ كتاب معجم طبقات المؤلفين على عهد دولة العلويين . تأليف عبد الرحمان ابن زيدان . دراسة ببليومترية وتحقيق د. حسن الوزاني . الجزء الثاني . الطبعة الأولى . السنة 2009 م . الصفحة رقم 250 . الترجمة رقم 237 . الهامش رقم 1227 .
3 ـ كتاب الارتجال في مناقب ومشاهير سبعة رجال ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال . تأليف محمد الأمين بن عبد الله الجعفري الحجاجي . الصفحة رقم 84 . مخطوط بالخزانة الملكية . رقم 194 .
4 ـ كتاب إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال تأليف عباس بن إبراهيم التعارجي المراكشي . الجزء الأول . دراسة وتحقيق إدريس الشرواطي . الصفحة رقم 72 .
5 ـ مجلة المناهل . العدد الأول . السنة 1974 م . الصفحة رقم 43 . القصر الكبير أول حاضرة في المغرب . بقلم عبد العزيز بنعبد الله .
6 ـ كتاب الارتجال في مناقب ومشاهير سبعة رجال ومن اشتهر في مراكش أو دخلها من مشاهير صلحاء الرجال . الصفحتان رقم 137 ورقم 138 .
7 ـ كتاب السعادة الأبدية في التعريف بمشاهير الحضرة المراكشية . تأليف محمد بن محمد بن عبد الله المسفيوي المراكشي . تقديم وتحقيق حسن جلاب وأحمد متفكر . الجزء الأول . الطبعة الأولى . السنة 2002 م . الصفحة رقم 181 . الترجمة رقم 106 .
8 ـ مجلة دعوة الحق العدد 263 . رجب 1407 هـ / مارس 1987 م . من أعلام العلماء على عهد المولى سيدي محمد بن عبد الرحمان والمولى الحسن الأول . محمد الأمين الشنكيطي . بقلم حسن جلاب .
9 ـ كتاب كشاف الكتب المخطوطة بالخزانة الحسنية . إنجاز عمر عمور . تقديم أحمد شوقي بنبين . الطبعة الأولى . السنة 2007 م . الصفحة رقم 28 . ( 194 ـ 11333 ) .
10 ـ كتاب الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين . تأليف خير الدين الزركلي . الطبعة الثالثة . السنة 1969 م .
11 ـ كتاب دليل مؤرخ المغرب الأقصى . تأليف عبد السلام ب ن عبد القادر بن سودة المري . الجزء الأول . الطبعة الثانية . السنة 1960 م . الصفحة رقم 31 رقم 13 ، والصفحة رقم 273 رقم 1115 .
12 ـ كتاب الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية . تأليف محمد الأخضر . الطبعة الأولى . السنة 1977 م .
13 ـ كتاب أهم مصادر التاريخ والترجمة في المغرب ( من القرن العاشر الهجري إلى النصف الأول من القرن الحالي ) . تأليف أحمد المكناسي . الطبعة المهدية . السنة 1963 م . الصفحة رقم 15 .
14 ـ كتاب مؤرخو الشرفاء . تأليف ليفي بروفنصال . تعريب عبد القادر الخلادي . السنة 1977 م . الصفحة رقم 250 .
15 ـ كتاب إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع . تأليف عبد السلام بن عبد القادر ابن سودة . تنسيق وتحقيق محمد حجي . الجزء الأول . الطبعة الأولى . السنة 1997 م . الصفحة رقم 269 . ( سنة الوفيات 1296 م ) .
16 ـ كتاب نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والرابع . تأليف محمد بن الطيب القادري . تحقيق محمد حجي وأحمد توفيق . الجزء الثالث . الطبعة الأولى . السنة 1986 م .