بلال الداهي
فمما انقرض وباد: قبيلة “مجكسة” وهي الآن حوز تطوان، و”بنو يكم” وقد حلت قبيلة بني حزمار محلها، و”بنو قطيطن” و”بنو يروثن” وكانوا بناحية وادي لو، و”بنو مسير” و”بنو منير” وهم أهل “حصن الصفيحة” الآتي ذكره…
ومما هو باق ولكنه خرج عن نطاق غمارة الآن: بنو سعيد وبنو حسان واغزاوة (اغصاوة قديما)، ثم قبيلة متيوة التي عرفت قديما ب”بني مروان” وقسمها الجنوبي المسمى “بني حمايد” وهم بقية بني حميد الذين كانوا من أعظم وأقوى قبائل غمارة في العصر الوسيط.
وكانت لغمارة الوسيطية تقاطعات مع صنهاجة، فوجدت قبائل اختلط أمرها على النسابين هل هي من غمارة أم من صنهاجة، كما هو حال بني زروال، ووجدت قبائل من صنهاجة نسبة أو عصبة كما هو وضع بني يلصو (الأخماس) وبني جميل ومسطاسة وصنهاجة بادس (بني بوفراح حاليا) ولكنها كانت في نطاق نفوذ غمارة كما تجمع مصادر العصر الوسيط التي اتفقت على امتداد حدودها إلى بادس شرقا.
أما الحيز الحالي لقبائل غمارة التسعة فجزء كبير منه كانت تحتله قبيتان غماريتان ذكرهما ابن خلدون هما: بنو نال وبنو يال، ومنذ مطلع العصر الحديث أصبحت بعض نصوص الأنساب تعتبر هاتين القبيلتين أصل القبائل الغمارية التسعة الحالية أو على الأقل ثمانية منها على أساس أن أنساب بني زجل خاصة ومستقلة عن البقية.
لقد خضعت بلاد غمارة للنفوذ الروماني في بداية القرن الميلادي الأول، ومن جملة ما اكتشفه البحث الأثري أن الروم أقاموا بالموضع الذي به الآن قرية “تالنبوط” مركزا للحراسة وقنطرة لا زالت بعض آثارها، كما وجدت خرائب في رأس جبل “تيزيران” الشاهق يرجح أنها تعود أيضا إلى العهد الروماني، هذا طبعا غير ما هو معروف عن المنطقة الساحلية التي كانت مليئة بالمراكز التجارية كما يثبت النهج الأنطونياني.
دخل المسلمون إلى أرض غمارة لأول مرة مع عقبة بن نافع، غير أن الفتح الحقيقي لهذه الديار منسوب إلى موسى بن نصير الذي تذكر المصادر أنه خاض بعض المعارك ضد غمارة ابتداء من عام 83 هـ وبدأ الإسلام ينتشر بين أهل هذه الجبال في عهده. وقد وجد موسى الكونت يليان رئيسا عليهم وكرسي جكمه في سبتة، وقد أثارت شخصية يليان هذه الكثير من الاختلاف بين من يرى أنه كان قوطيا وأنه كان يحكم جبال غمارة التي كانت حينها تحت سلطان ملك القوط في طليطلة بالأندلس، ومن يرى أنه كان غماريا وتابعا بالاسم فقط لملوك القوط، وتدعم هذا الرأي الثاني عبارة “ملك غمارة” التي وصف بها يليان عند ابن خلدون والقلقشندي. والأهم من هذا كله أن الروايات الإسلامية تذكر أن يليان وادع المسلمين وسالمهم، بل حرضهم على فتح الأندلس وأمدهم في سبيل ذلك بالمعلومات والخطط وكشف لهم زلات القوط وعوراتهم بالأندلس حتى يسهل على المسلمين فتحها.
وقد أقطع الخليفة الوليد بن عبد الملك بلاد غمارة للقائد صالح بن منصور، وأرسله ليشرف على نشر الإسلام في جبال الريف، وتلقب بعض المصادر صالحا هذا ب”الحميري” وفيه خلاف بين من جعله من اليمنية، وبين من يقول بأنه كان بربريا من صنهاجة وأن نسبة “الحميري” هي سنة قد جرت عليها قبائل صنهاجة إذ تزعم أن أصولها القديمة من بلاد اليمن. والأهم أن قسما كبيرا من غمارة بايعوا صالحا بالإمارة عليهم، فتأسست بذلك أول إمارة إسلامية في المغرب الأقصى على يديه هي إمارة بني صالح، وهم الذين بنوا مدينة نكور واتخذوها قاعدة لإمارتهم. أما القسم الغربي من غمارة المتشكل من ريف سبتة وبلاد الهبط فقد دخل في طاعة الأدارسة في نهاية القرن الثاني للهجرة، وحينما أراد محمد بن إدريس أن يفرق المغرب بين أخوته الإحدى عشر كانت جبال غمارة من نصيب أخيه عمر، فجعل مدينة “تيكيساس” الآتي الكلام عنها قاعدة ملكه.
وتعصب الغماريون للأدارسة تعصبا شديدا حتى بذلوا دماءهم وأرواحهم دفاعا عنهم، وتصف المصادر الأندلسية أهل غمارة بأن لهم محبة خاصة لآل البيت وعترة النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا نجدهم حينما قام ابن أبي العافية بإخراج الأدارسة من فاس نحو 310 هـ يقومون بإيوائهم واحتضانهم ونصرتهم، وبنيت قلعة “حجر النسر” في منطقتهم، واحتضنوا في نفس الوقت شعبة عظيمة من الأدارسة هم “العمرانيون” كما يأتي. وحينما أصبحت المنطقة موضعا للصراع بين الفاطميين في إفريقية والأمويين في الأندلس، وتأرجح أمراء الأدارسة بين هؤلاء وأولئك، كانت قبائل غمارة ومعها كتامة وزناتة تناصر الأدارسة تحديدا حتى استطاع المنصور بن أبي عامر أن يتألف قلوبهم بالمال والإعفاء من المغارم وحمل بعضهم إلى الأندلس فنالوا بها الرياسة، فسهل عليه آنذاك الإيقاع بالأدارسة وإنهاء إمارتهم ثم استئصال دعوة الفاطميين نهائيا، ودخلت جبال غمارة كلها في دعوة بني أمية.

![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [4]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/01/35151374_764252107110466_2785892508909961216_n-1024x768.jpg)