لا شك أننا عندما نتكلم عن المؤسسة التعليمية فإننا نقصد بها ذلك المكان الطاهر النقي المترفع عن كل رذيلة، منبع القيم والأخلاق والمثل الذي يغترف منه الصغير والكبير، البيت الثاني للمتعلم الذي ينهل منه العلوم والمعارف التي تحسن ذوقه وتضبط سلوكياته وترقيها فيسير جنبا إلى جنب مع البيت الأول؛ الأسرة، نحو إعداده وتهيئته ليكون إنسانا ناجحا متخلقا صالحا لنفسه ومصلحا لغيره! هذا ما يجب أن يكون!
أما ما هو كائن اليوم، فلا يخفى على أحد ظاهرة الانحلال الخلقي التي باتت تثير الكثير من الاستغراب ومن التساؤلات.
وبعيدا عن الاكتفاء بذرف دموع الحسرة والندم على يوم كانت فيه الأسرة التعليمية «كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا»، وكان فيه الأستاذ ذلك الرجل الذي نفخر بأن نقول له:
قم للمعلم وفه التبجيلا ^ كاد المعلم أن يكون رسولا
وكانت فيه تلك المدرسة المكان الذي ما أن نغادره حتى نحن إلى العودة إليه مرددين:«مدرستي الحلوة…»، لابد أن نقف هنا وقفة تأمل نحاول من خلالها أن نعرض بعض الأسباب التي جعلت المدرسة المغربية تنتقل من النقيض إلى النقيض، ونحاول أن نلقي الضوء على بعض الحلول الممكنة لتجاوز هذا الوضع، أو على الأقل التخفيف من حدته.
إذا نظرنا إلى العوامل والأسباب التي أدت إلى أزمة القيم في منظومتنا التربوية التعليمية، سنجدها كثيرة ومتعددة ومتداخلة بشكل يجعل من الصعب التفريق بينها. فبعض هذه الأسباب يعود إلى المنظومة التعليمية بما تعنيه من أساتذة وإداريين وتلاميذ ومقررات ومناهج وبنايات مدرسية، وبعضها يعود إلى محيط المدرسة وتأثيره السيئ عليها. ويمكن أن نشخص بعض هذه الأسباب فيما يلي:
أ ــ صورة المدرسة بين الأمس واليوم:
إن المدرسة هي أخطر مؤسسات التربية، بعد الأسرة، أثرا في تكوين شخصية الناشئة حيث يقضي فيها المتعلم سنوات اليفاعة والشباب الصعبة. ولا يكاد أحد ينكر أن مدرسة الأمس قد حققت نجاحا ميدانيا هاما في مهمتها رغم قلة الإمكانيات والتنظيرات والتكوينات المستمرة من أجل وضع المدرس في الصورة ومواكبته لتطورات المجتمع وتأثيرها على المتعلم. وكانت مصدرا هاما لإنتاج شخصيات سوية نفسيا واجتماعيا ناجحة تعليميا وثقافيا، تتبوأ مناصب مهمة في المجتمع، رغم فقر أسرها في أحيان كثيرة، لأنها كانت تعلم بأن لا بديل لها ولا ملجأ سوى تكوين نفسها من أجل تحصيل المراتب الهامة في المجتمع.
أما اليوم فقد أصبحت حصيلة المدرسة مخيبة للآمال بشكل كبير، حيث يتخرج منها أشباه المتعلمين الذين قرؤوا كل شيء ولم يقرؤوا شيئا! ذلك أن المدرسة لم تعد تجذب المتلقي إليها. هذا المتلقي الذي تحول اهتمامه عن المدرسة بشكل كلي نحو نقط جذب أخرى متعددة يرى أنها تعبر أكثر عن شخصيته وتقترب أكثر من اهتماماته. لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي، ، ونوادي اللهو المتنوعة المفتوحة بكل مباذلها ومغرياتها الوجهة الأولى والمفضلة لشريحة واسعة من المتعلمين من الجنسين، وأصبحت المدرسة وإنجاز الواجبات والفروض العدو الأول الذي يواجهه المتعلم بالتفنن في ابتداع حيل الغش والنقل والتزوير حتى في جامعاتنا!
ب ــ صورة المدرس بين الأمس واليوم:
بالأمس كان ينظر إلى المدرس في المجتمع المغربي نظرة فيها الكثير من القدسية، وكأنه مخلوق ملائكي، أو نبي المعرفة الذي يعرف كل شيء في مجتمع قل فيه المتعلمون. لقد كان هو المعلم الملقن، وهو المربي الفاضل، وهو الصوت الذي لا يعلو على صوته صوت في ضبط علاقات التلاميذ به وببعضهم البعض. بل وكان هو “الفقيه” الذي يفزع إليه الناس في استشاراتهم الدينية، وهو القاضي الذي يفصل بينهم في نزاعاتهم… وكان يُقلد في كل الأمور؛ في ملبسه، وفي كلامه، وفي سمته، وفي وقاره… وفي كل شيء. لقد كان هو النموذج والقدوة، ذلك النموذج الذي لم يكن يختلف كثيرا عن نموذج الأب في البيت لتقارب ثقافة كل من الأب والأستاذ والمتعلم الناشئ. ومن هنا كان التلميذ بالأمس يبجل الأستاذ أيما تبجيل تبعا للثقافة السائدة في الأسرة وفي المجتمع والتي كانت تضع هذا الأستاذ في أعلى الدرجات والمراتب.
أما اليوم فقلد أصبح المراهق المغربي، والذي يشكل نسبة كبيرة من مجموع التلاميذ في الإعدادي والثانوي، يرتفع بينه وبين المدرسة والمدرس حاجز كبير يحول دون التواصل الإيجابي بينهما. إن المراهق المغربي اليوم قد تطورت ثقافته الاجتماعية بشكل كبير تجاوز فيه ثقافة الأستاذ ومن قبله ثقافة البيت. لقد فقد هذا المراهق في أستاذه ذلك النموذج الذي تحدثنا عنه لتباعد ثقافتهما بشكل كبير! إن تلك الأخلاق الفاضلة التي يتحدث عنها الأستاذ ويحاول جاهدا أن يغرسها في التلاميذ، سواء عبر توجيهاته أو عبر ما تقدمه نصوص المقرر في بعض المواد كاللغة العربية والتربية الإسلامية وغيرهما، أصبحت محط استهزاء وتندر بين تلاميذ يؤمنون كل الإيمان بأن «من نقل انتقل ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه»، وبأن الكذب شطارة وذكاء، وبأن أية وسيلة صالحة ما دامت توصلك إلى الهدف بسرعة ودون حاجة إلى بذل الكثير من الجهد، وبأن الحشمة والخجل والعفة والصدق وغيرها كلمات تنتمي إلى قواميس ومعاجم بالية عفا عنها الزمن بل ولعلها تملك النصيب الأكبر من المسؤولية فيما نحن فيه من تخلف! وبأن العرب والمسلمين بشخصياتهم القوية وبأخلاقهم الرفيعة وبحبهم لأوطانهم وإخلاصهم من أجلها وبشغفهم الكبير بالعلم وبالمعرفة كانوا يجرون وراءهم حضارة عظيمة سادت العالم في وقت من الأوقات هو كلام أقرب إلى أساطير الأولين! ولا لوم على هؤلاء إذا لاحظنا حجم السموم الخبيثة التي تتلقفها عقولهم وأذهانهم يوميا عبر قنوات إعلامية تخصصت في الرداءة وفي تحطيم كل مقومات مجتمعنا في زمن العولمة وحضارة الصورة. كما لا لوم عليهم وهم يلاحظون أن المجتمع، بدءا حتى من بعض أسرهم، يفرخ ويمجد نماذج الغش والتحايل والوصولية والانتهازية، ويعتبر نماذج المسؤولية والإخلاص والأمانة كائنات منقرضة أو أنها تعيش في زمان غير زمانها ويجعلها مدعاة لسخريته واحتقاره.
إننا اليوم في أمس الحاجة إلى تدريس مادة الأخلاق في مدارسنا، ومن أجل ذلك لا بد من مساهمة كل الأطراف المعنية بالتربية والتكوين لتفعيلها وتنشيطها ماديا ومعنويا قصد خلق مدرسة حديثة مفعمة بالحياة، تنتج أشخاصا قادرين على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية.
