ـ محمد بوزيدان ـ

     لم يكن مؤتمر الجزيرة الخضراء الذي شاركت فيه ثلاث عشرة دولة، كغيره من المؤتمرات بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث، ففيه تم فرض شروط مجحفة على المغرب مهدت لفرض الحماية عليه و من ثم استعماره.

 و خلال تلك الأيام الصعبة من المفاوضات التي انطلقت مطلع سنة 1906 حول مصير المغرب، فوجئ الوفد المغربي الذي كان يترأسه محمد الطريس باختفاء نائب رئيسه محمد المقري، الذي غاب عن الاجتماع اليومي التشاوري. وقد لاحظ أعضاء الوفود غياب المقري في اجتماعين متتاليين، مما أثار عددا من التساؤلات. فرأى بعضهم أن هذا الغياب ربما راجع إلى عدم رضا محمد المقري عن سير أشغال المؤتمر، واعتقد آخرون أن هذا الغياب مرده إلى خلافات بين أعضاء الوفد المغربي، و أرجع الوفد المغربي غيابه إلى فرضية اغتياله. ومما زاد من حدة الإشاعات أن الوفد المغربي لم يستطع الجواب عن استفسارات أعضاء الوفود الأوروبية، مما خلق أزمة في المؤتمر ضاعفت من تساؤلات الأعضاء عن جدية المغاربة والتزامهم بما سيتمخض عنه من قرارات. وقد بدأ الوفد المغربي في البحث عن محمد المقري، واجتهد الأجانب في معرفة أسباب هذا الانسحاب، وعملت أجهزة الاستخبارات على حل هذا اللغز الذي أصبح حديث الكواليس وموضوع برقيات الوفود وتأويلاتها. وصدرت تعليمات إلى السفارات الأوروبية في طنجة بالبحث في هذا الموضوع، واستطلاع رأي «المخزن» عن أسباب هذا الاختفاء، وهل هو راجع إلى موقف سياسي مغربي أم هو راجع إلى موقف شخصي؟ وفجأة أخبرت شرطة الحدود الإسبانية الوفود بأن محمد المقري غادر التراب الإسباني بحرا وتوجه إلى مدينة طنجة، مما وضع حدا مؤقتا عن إمكانية اختفائه نتيجة عمل إجرامي، وبذلك تنفس الوفد المغربي الصعداء وبعث إلى طنجة يرجو تفسيرا لهذا الموقف، وهل يتعلق الأمر ببداية انسحاب الوفد المغربي من مؤتمر الجزيرة وبروز سياسة مخزنية جديدة حيال علاقاته مع الدول الأوروبية؟

 نشطت السفارات الأجنبية في طنجة بحثا عن محمد المقري، وتحرك الجواسيس والمخبرون بين الدروب والأزقة بحثا عن نائب رئيس الوفد المغربي المفاوض في الجزيرة الخضراء، وأصبح حديث اختفائه، الذي لم يدم سوى يومين أو ثلاثة أيام، مثار إشاعات وتأويلات شغلت سكان طنجة والمقيمين الأجانب فيها، وتحولت اللقاءات الخاصة وحفلات الاستقبال إلى أماكن لترديد الشائعة، فرأت السفارة الفرنسية بأن انسحابه قد يكون باقتراح وتأييد من الوفد الألماني في الجزيرة الخضراء في إطار محاولة لإفشال المؤتمر. كما رأت السفارة الألمانية أن محمد المقري المعروف بتعاطفه مع وجهة النظر الفرنسية ربما يقوم بإعداد مفاجأة بفتح الباب أمام التغلغل الفرنسي. وفجأة تأكد للسفارة الفرنسية أن محمد المقري، الذي عين فيما بعد وزيرا أولاً لمدة 50 سنة، وجد في مدينة البوغاز ويقيم في إحدى كبريات دورها، وأن الجو المشحون الذي عاشه في الجزيرة الخضراء والتوتر الذي كان يشعر به دفعه إلى الرحيل بسرعة إلى طنجة حيث أعد بيتا خاصا لخلوة غرامية مع إحدى عشيقاته. كانت «المحظوظة» زنجية في مقتبل العمر، طويلة القامة، نحيفة الجسد، ولكنها منتفخة الصدر، رشيقة ومغرية. ولوضع حد للإشاعات والتأويلات بعث السفير الفرنسي برقية إلى وزارة خارجيته يخبرها بنجاحه في التعرف على مكان إقامة المقري وسبب رحيله عن الجزيرة.وكتب السفير في برقيته: «صاحبنا يوجد في طنجة يداعب نهودا سوداء..»

Notre ami se trouve à Tanger, il caresse des seins noires»

لكن الضابط المكلف برقن البرقية حررها كالآتي:

«Notre ami se trouve à Tanger, il caresse des desseins noires»

أي «إن صديقنا يوجد بطنجة، تغامره أفكار سوداوية».

إن هذا اللبس الحاصل في برقية السفارة الفرنسية في طنجة خلف أزمة جديدة لدى الوفد المغربي، الذي اعتقد أن «صاحبنا» يعيش حالة نفسية صعبة، وأن تشاؤمه بلغ درجة الانهيار العصبي، كما أن الفرنسيين رأوا في هذه «الأفكار السوداوية» دليلا على الحرج الذي يشعر به الوفد المغربي.

تُشكل هذه البرقية مرجعية فريدة من الأخطاء الغريبة، التي تطبع بعض المراسلات الدبلوماسية، مما يغير المعنى الحقيقي لما تتضمنه من معلومات وما قد ينجم عن ذلك من قرارات. إن هذه الحكاية الطريفة تعكس في الحقيقة مستوى المفاوضين المغاربة وأولوياتهم في وقت حرج من تاريخ المغرب. وهي فقط حكاية من بين عشرات الحكايات عن مفاوضات الجزيرة الخضراء. وقد عرف التاريخ بعث عدة برقيات خاطئة، أهمها تلك التي جنبت المغرب هجوما ألمانيا عنيفا. ففي بداية سنة 1943 وإبان الحرب العالمية الثانية انعقد بالدار البيضاء مؤتمر على جانب كبير من الأهمية حضره الرئيس الأمريكي روزفلت، والوزير الأول البريطاني تشرشل، وكذا القيادتان العسكريتان الأمريكية والبريطانية للتخطيط للمراحل القادمة للحرب العالمية الثانية. وقد بعث أحد الجواسيس الألمان حينها من الدار البيضاء برقية إلى القيادة العسكرية القريبة من هتلر، تقول إن مؤتمر قمة للحلفاء سينعقد بمدينة الدار البيضاء، وكتب بالفرنسية كازابلانكا. وعندما وصلت هذه البرقية إلى القيادة العسكرية الألمانية في برلين، قاموا بترجمة كلمة «كازبلانكا» بالبيت الأبيض. وبذلك لم تقم ألمانيا بأي عمل عسكري ضد المغرب ومدينة الدار البيضاء، حيث اتجهت أنظارها إلى البيت الأبيض بواشنطن.

من الغريب في قصة محمد المقري الذي غامر بمصالح المغرب و انتصر لنزوة عابرة، جعلته يغادر مؤتمرا يقرر في مصير بلده و يمهد لاستعمارها، و تكالب الدول الأوربية عليها، و يخل بالأمانة التي حمله إياها سلطان المغرب المولى عبد العزيز، الغريب هو أنه عُيّن بعد ذلك صدرا أعظما (وزيراً أولاً) لما يناهز نصف قرن من الزمن.

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version