محمد بوزيدان
بدأت علاقة العرب مع الغرب قديما عندما اجتاحت جيوش الإسكندر المقدوني بلدان المنطقة العربية في القرن الرابع قبل الميلاد، و بعد ظهور الإسلام بدأ التَماس مع أوروبا يتسم بالعلاقات التجارية التي تطورت تدريجيا و توثقت مثلما توطدت مع ممالك العجم كالفرس و الأفغان و الترك، بعد أن أصبحت بغداد مركزا للتعايش السلمي مع القوميات المتباينة، فلم يحاول الإسلام تغيير خصائص هذه القوميات إنما سعى جاهدا إلى بلورتها
و دفعها في اتجاه التقدم الحضاري.
رأينا في المقال السابق كيف أثرت علوم العرب في نهضة الغرب و مثلها فعلت الآداب و الفنون العربية و لغتها، يقول غوستاف لوبون: و تركت لغة العرب أثرا مهما في فرنسا نفسها، و ذكر سيديّو، و الحق ما ذكر “أن اللهجات السائدة لولاية أوفرن و ولاية ليموزان الفرنسيتين محشوة بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيهما ذات مسحة عربية” (1)
كما أن اللغة الإسبانية تعج بكلمات عربية أندلسية أغنت المعجم الإسباني و أضفت عليه جمالية خاصة، بلغت أكثر من ثلاثة آلاف كلمة إسبانية من أصول عربية. و إليكم المثال التالي الذي يجسد تغلغل اللغة العربية في اللغات الأوروبية:
هل لي يا سيدتي الفاضلة، أن أدعوك إلى دخول هذا المقهى (Café) فإنك تبدين متعبة. و هل لك أن تنزعي عنك شقتك “جاكتتك” Jake، و أن تأخذي لك مكانا على الصفّة (Sofa) ذات المرتبة الحمراء القرمزية (Karmin..Matraze). إن القندي (صانع الحلوى) (Konditor) ذا القلنسوة (Mutze) الفارعة و القباء (Kitel) الأبيض الناصع ، سيحضر لك حالا طاسة (Tasse) من قهوة البن (Bohmen Kaffe) مع قطعتين من السكر (Zucker) أم أنك تفضلين غرّافة (Karaffe) من عصير الليمون “ليموناضة” Limonade إذ كنت لا ترغبين في تناول الكحول (Alkohol) كلا؟ لا ريب أنك ترغبين بقطعة من الحلوى مع شيئ من البرقوق المشمس (Aprikosen) و من بنان الموز (Bananen).(2)
كما تجدر الإشارة إلى أن العرب فاقوا أساتذتهم اليونان في الفلسفة و كان لهم الفضل في تكريس مبدأ حرية الفكر رغم اختلاف جمهور الناس مع الفلاسفة و مذاهبهم التي تشكك في أصول الدين و تهاجم عقائد المؤمنين، أشهر فلاسفة العرب إبن رشد الذي سميت شعب الفلسفة في أوروبا باسمه و وضعت له تماثيل في أكبر حواضر العالم. يعد إبن رشد شارحا متميزا لفلسفة أرسطو، يعلق غوستاف لوبون على ذلك بقوله: ” لكنني أرى أن هذا الشارح سبق أستاذه في بعض الأحيان مما أثار العجب. و مما قاله ابن رشد “إن روح الفرد لا تدرك شيئا بغير تصور، فكما أن الحواس لا تشعر إلا إذا اتصلت بالأشياء، فالنفس لا تفكر إلا إذا وجدت صورة أمامها، من ثم كان الفكر الشخصي غير خالد، و إلا وجب أن تكون الصور خالدة أيضا..”. (3)
أما في الشعر فقد اقتبس الأوربيون فن القافية من العرب و يُعزى مصدر الشعر الإسباني إلى ما كان لشعراء عرب الأندلس من التأثير. هذا التميز العربي في مجال الشعر يعود إلى حب العرب له فقد نال الشعراء نفوذا كبيرا، فهم الذين يحركون المشاعر، و يرفعون أقواما و يخفضون آخرين كما يشاؤون، و كان من نفوذهم أن منحت قريش الشاعر الأعشى مائة جمل حَمْلا له على عدم نشر قصيدة مَدَحَ البني بها. و كان من شغف العرب بالشعر أن صاروا في بعض الأحيان يؤلفون كتب التوحيد و الفلسفة و الجبر نظما. كما زاولوا غيره من أصناف الأدب حيث يوجد لهم روايات في المخاطر و الحب و الفروسية و من أشهر أقاصيص العرب نذكر مقامات الحريري، و مقامات الهمذاني و رواية ألف ليلة و ليلة على الخصوص. و اشتهرت مقامات الحريري في الشرق و الغرب حيث تشتمل مكتبة باريس الوطنية و مكتبة ميسيو شيفر على نسخة خطية مصورة من مقاماته. و تعد مروية ألف ليلة و ليلة أكثر القصص العربية شهرة، أما الحكايات و الأمثال فقد عني بها العرب و منها اقتبست إسبانيا و بقية أوروبا عددا من الأمثال غير قليل، و هكذا أثر العرب في حضارة العالم و ساهموا في تطويرها و تقييمها.
في المقال المقبل بحول الله، سنتناول موضوعا هاما، كثيرا ما يطرح في محافل الأدب
و الترجمة، لماذا نعيد ترجمة الأعمال التي سبق ترجمتها؟
…………………………………………
1ـ غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص 473
2ـ شمس العرب تسطع على الغرب، زيغريد هونكه، ص 17
3ـ غوستاف لوبون، حضارة العرب، ص 479

