أحمد بوكماخ، أستاذ المغاربة الأول.

 

  ـ محمد بوزيدان ـ

    “إقرأ” كتاب مدرسي ترسّخ في أذهان تلاميذ مغرب فترة الخمسينيات إلى السبعينيات، كتاب طُبع في ذاكرة مغرب ما بعد الاستقلال وصار تراثاً مغربياً أصيلاً، كُتب له البقاء حياً مواكباً لعدة أجيال، صمدت أوراقه أمام موجة تأليف الكتب المدرسية.

 “سروال علي الثرثار ومحب الاختصار”، “زوزو يصطاد السمك”، “أحمد والعفريت”.. قصص من سلسلة كتب “إقرأ” وسمت ذاكرة المغاربة، ولا يزال الكثير من الشيوخ يتذكرونها بنوعٍ من الحنين الطفولي. نوستالجيا الزمن الجميل تجر المغاربة للافتخار بكونهم خريجي مدرسة أحمد بوكماخ، فمن هو هذا الرجل الذي ظل حياً في قلوب المغاربة بكتبه؟

ولد الكاتب أحمد بوكماخ في مطلع العشرينيات إبان اشتعال حرب الريف. يتيم الأم عن عمر يناهز ثماني سنوات، نشأ في ظروف صعبة، حيث اشتغل في متجر أبيه كمحطة أولى، وقضى طفولته متنقلا بين بيع المواد الغذائية ومطالعة الكتب والروايات. كان متجر أبيه مقسما إلى جزأين: جزء للسلع وآخر للكتب، حيث ساعده أن يتربى بين العمل والقراءة، ليقرر بعد ذلك الالتحاق بمدرسة الجامع الكبير بالسوق الداخلي، ويبدأ مساره الدراسي ثم المهني بعد أن أصبح معلما بها. انخرط أحمد بوكماخ في حزب الشورى بعد أن بلغ الثامنة عشرة من عمره وبدأ نشاطه السياسي، إذ كان يعقد بمتجر والده أحيانا اجتماعات موضوعها المطالبة بالاستقلال، والانتظام داخل صفوف الحركة الوطنية وقد كلف هذا النضال أبا أحمد بوكماخ تهمة من العيار الثقيل، وثلاث سنوات حبسا نافذا قضاها في السجن بمدينة الرباط، بعد أن عثرت سلطات الحماية الفرنسية على لافتة داخل المتجر أزعجتها. وبعد سجن الأب، أصبح أحمد بوكماخ المسؤول الأول عن الأسرة، إذ قضى المدة بين تسيير المتجر وبين إعالة إخوته السبعة وزوجة أبيه.

ما لا يعرفه الكثيرون عن بوكماخ أنه بدأ كتابة المسرح في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي، ويتجلى ذلك في مجموعة من الكتب المركونة بمكتبة أستاذه العلامة الراحل عبد الله كنون بطنجة. “كتب شكلت مجاله المناسب لتصريف بيداغوجية حديثة تعتمد التوجيه والتلقين، وبث الوعي الوطني في نفوس الأطفال المغاربة لمواجهة تأثيرات المستعمر”، كما يوثق ذلك الكاتب المسرحي الزبير بن بوشتى.

“نور من السماء”، “رسالة فاس”، “فريدة بنت الحداد”، هي بعض مسرحيات بوكماخ التي تم تشخيصها من طرف تلاميذ مدرسة عبد الله كنون في عروض احتضنها مسرح “سيرفانتيس” بطنجة، المعلمة التي كانت في ذلك الوقت قبلة للباحثين عن روائع شكسبير وموليير المترجمة إلى العربية، يضيف بن بوشتى. مع بوكماخ ظل التلاميذ يتذكرون دروسهم حتى وإن غادروا فصولها بعقود، لأن توحيد المقرر كان ميزة وخاصية طبعت مستويات عديدة، لقد حول بوكماخ أجيال «إقرأ» إلى أطفال دائمين، لأن رجالا هم اليوم في السبعين، يسردون قصص «إقرأ» كما لو كانوا لا يزالون أطفالا في السابعة. ولو قدر اليوم لجمعية أن تنشأ باسم «جيل سلسلة إقرأ» لكانت أكبر جمعية في المغرب، وربما أكبر من كل الأحزاب. لم يكن بوكماخ يريد من وراء إصدار سلسلتي «إقرأ» و«الفصحى» الحصول على المال، حسبما تقول أخته رشيدة، لكنه في كل الأحوال حصل على المال، ليس المال الكثير، بل المال الذي جعله يعيش بكرامة، وسكن بعد ذلك في حي راق بطريق الجبل، حيث أنشأ فيلا جميلة بلون أحمر سماها «الحمراء» 1. وربما كان حنين بوكماخ إلى قصر الحمراء بغرناطة هو الذي جعله يسمي داره باسم «الحمراء» ويزرع حديقتها بالنباتات والورد والنخيل، خصوصا أنها تطل على مضيق جبل طارق عبر شاطئ مرقالة الشهير.

اعتزل بوكماخ العمل السياسي بعد الاستقلال، بسبب مشاكل داخل الحزب الذي انتمى إليه، وبسبب اختطاف أحد أصدقائه، مما جعله يتفرغ للتأليف المدرسي بتوجيه من عبد الله كنون، 2الأب الروحي الذي دعمه كثيرا في بداية حياته الأدبية.

انطلقت الفكرة بمحاولة تأليف كُتيب لتدريس تلاميذ قسمه، في غياب مراجع بالعربية، ليتم تدريسه فيما بعد في المدرسة ثم في طنجة، وليصل الكتيب بعد ذلك إلى باقي أرجاء المغرب.

سلسلة “إقرأ”، من خمسة أجزاء لخمسة مستويات دراسية، أصبحت مرجعا رسميا وأساسيا في التدريس بالمؤسسات التعليمية المغربية، في وقت كانت تستورد المراجع الدراسية من مصر ولبنان. صارت “إقرأ” مدرسة لأجيال ما بعد الاستقلال، تخرجت منها أفواج إلى حدود الثمانينيات ، ليتم الاستغناء عنها لصالح مراجع أخرى.

أسلم أحمد بوكماخ الذي بات يلقب ب “رائد الكتاب المدرسي” الروح إلى بارئها في 20 شتنبر 1993 بأحد مستشفيات باريس، عاصمة فرنسا، الدولة التي ناضل طويلا في صفوف الحركة الوطنية من أجل خروجها من المغرب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ عبد الله الدامون جريدة  المساء يوم 29 – 05 – 2012.

2ـ “أحمد والعفريت”.. قصة الرجل الذي ربّى المغاربة بقلمه، عربي بوست، 2019/02/13.

 

 

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version