محمد بوزيدان
كما تقدم في الأسبوع الماضي، فإن هزيمتي إيسلي وتطوان ليستا مجرد هزائم عسكرية وحسب، بل شكلتا صدمة استدعت إعادة النظر في جميع المجالات القائمة اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا وتعليميا، ومن هنا جاء اهتمام السلطانين محمد الرابع والمولى الحسن الأول في مبادراتهما الإصلاحية بالمجال التعليمي، فأدخلا تدريس بعض العلوم من رياضيات وفلك وهندسة. وأحدثا مؤسسات تعليمية حديثة، كمدرسة المهندسين بفاس ومدرسة الألسن بطنجة، كما أرسلا البعثات الطلابية إلى الخار كي تساهم في النهوض الاقتصادي و العسكري.
شكلت البعثات التعليمية في عهد السلطان محمد الرابع والسلطان مولاي الحسن الأول، لحظة تاريخية مهمة في الاتصال بالتعليم العصري، وفي الاحتكاك بين المدنية الأوربية التي أفرزتها عوامل شتى كالنهضة الأوربية وعصر الأنوار والثورة الصناعية، والحالة الحضارية التقليدية المتوارثة بالمغرب في قرن كانت فيه البلاد مغلقة في وجه التيارات الفكرية والحضارية الخارجية، ويعيش في عزلة تامة فرضها على نفسه، تحت ضغط عدة عوامل في مقدّمتها حرصه على المحافظة على استقلاله. وكان الهدف والمقصد من إرسال البعثات، هو توفير الكفاءات الوطنية اللازمة لتنفيذ المشاريع التي تبناها السلطان أو فكّر في إنجازها، ما يعكس أنّ الاستعانة بالخبراء الأجانب في الإصلاحات، كانت فكرة ظرفية، فقد كان يعوّل على هذه البعثات بعد عودتها للنهوض بالمرافق الحيوية من أشغال عمومية ودفاع وغيرها، وذلك تبرزه الرغبة في تنويع المصادر الثقافية والحضارية المأخوذ عنها، وهو ما يفسّر جغرافية توزيع الطلبة الذين أوفدوا إلى أوربا، حيث وُزّعوا بين دول عديدة منها، ما هو في جنوب أوربا كإيطاليا ومنها ما ينتمي إلى وسطها كألمانيا، ومنها ما هو في صميم الغرب الأوربي إما جنوبًا كإسبانيا أو شمالاً كإنجلترا.
الخطوات الإصلاحية التعليمية كما وردت في المقال السابق عرفت فشلا ذريعا، دفع مجموع المؤرخين إلى التساؤل عن مكامن الخلل لكون “واجب المؤرخ، أن يعترف رأسًا بهذا الفشل، ويفحص أسباب فشلها أو بطلانها فحصًا صارمًا، حتى لا يكون إصلاح اليوم فاشلًا، لنفس الأسباب التي أفشلت إصلاح الأمس” حسب جرمان عياش.
ويمكن إجمال العوامل التي أدت إلى فشل الإصلاح التعليمي في ما يلي:
– وجود طبقة محافظة تقليدية معادية للانفتاح على أوربا ورافضة لاستلهام حداثته لتحديث المغرب، وبالتالي معارضتها للإصلاح التعليمي بالمغرب خلال القرن التاسع عشر، ويمثلها عدد كبير من العلماء؛ حفاظاً على الأوضاع القائمة، وخوفًا من كل جديد مستحدث، وعبّر عن ذلك جمال حيمر عند حديثه عن أسباب فشل البعثات التعليمية في عهد المولى الحسن الأول بقوله “لقد ظل أغلب العلماء متمسكين بمواقفهم المحافظة، ومناهضين لأي مبادرة تحديثية منبعثة من آفاق غريبة، وكانوا يرون في عادات الأوربيين ومن يأخذ عنهم أو يشتبه بهم بدعًا ينبغي محاربتها، وكان من الطبيعي أن لا ينظر العلماء بعين الارتياح إلى مجموعة الشبان المغاربة باعتبارهم درسوا في ديار الأجنبي، وعادوا حاملين لأفكار جديدة وعلوم دخيلة”
وامتدت المعارضة لتشمل حتى رجال المخزن من وزراء وقوّاد وكتّاب، وخلفية موقفهم ترجع لكونهم شبه أميين أو ذوي مستوى ثقافي محدود، وبالتالي تم الحكم على طلبة البعثات على أساس الهوية لا على أساس ما اكتسبوه من علوم من خلال التركيز على مظهرهم لا علمهم وفق الثقافة السائدة بكونهم مجرد “شباب يشربون الدخان ويتزيون بزي النصارى، فرّطوا في دينهم فكيف يعوّل عليهم في الجهاد” ورموهم بالإلحاد، فقد قال أحد الوزراء للسلطان الحسن الأول”إنّ أعضاء البعثات، بعدما أقاموا بأوروبا سنين عادوا منها جُهّالاً متنصّرين، وهكذا حكموا على هاته المبادرة الرائدة بالفشل”.
– يرجع فشل الإصلاح بالمغرب عمومًا خلال القرن التاسع عشر ومعه الإصلاح التعليمي، إلى أنّه تم بدون تقديم مقدمات وتمهيد أصول، ويقصد بذلك تطهير جهاز المخزن من الفئات المحافظة المُعرقلة للتحديث، ومعرفة طريقة إنجازه وكيفيته، وهو ما عبّر عنه المؤرخ الناصري صاحب الاستقصا، عند تعليقه على مبادرة السلطان الحسن الأول بإرسال البعثات التعليمية إلى أوربا بقوله: “إلا أنّ ذلك لم يظهر له كثير فائدة، إذ كان يحتاج إلى تقديم مقدمات وتمهيد أصول، ينبغي الخوض في تلك العلوم والعمل بها عليها” فضلاً عن أنّ إصلاح التعليم تم بصورة محدودة ومُحتشمة من خلال التركيز على التكوين العسكري، وبعيدًا عن تحديث البنيات التعليمية التقليدية القائمة المتمثلة في التعليم الديني، خصوصًا في القرويين بفاس وجامعة ابن يوسف بمراكش، بسبب معارضة رجال الدين لكل فكر دخيل، عكس التعليم الديني اليهودي الذي عرف في نهاية القرن التاسع عشر حركة إصلاحية مهمة قادتها رابطة الاتحاد العالمي الإسرائيلي المعروفة باسم “الأليانس”. إضافةَ إلى أن التحول الذي عرفته أوربا من العصر الوسيط حيث سيادة النظام الإقطاعي وسيطرة رجال الدين على الحياة السياسية والاجتماعية والمنظومة الفكرية إلى العصر الحديث، تمّ وفق تحولات سياسية واقتصادية وفكرية مثّلها عصر النهضة وفكر الأنوار والثورة الصناعية، عكس المغرب الذي كان يتسم خلال القرن التاسع عشر بالجمود الفكري والتأخر الاقتصادي، وأنّ بنياته السياسية والاجتماعية لم تكن مؤهلة لدخول مرحلة الإصلاح، وإنّما أُدمج قسرًا من موقع تبعيّ، بل كان يحتاج إلى وقت لإعادة إنتاج ذاته اجتماعيًّا ليس على الأسس التقليدية التي قام عليها منذ قرون مضت، وإنّما على أساس الأنموذج الغربي الذي أبان عن تفوّقه في شتّى المجالات، وهذا يتطلب التوفّر على نخبة داعمة للإصلاح ومتشبعة به وهو ما كان غائبًا خلال هذه الفترة الزمنية من تاريخ المغرب، وهو ما عبر عنه الحجوي بقوله “مجلس الوزراء، لم ينضج وهو في حاجة إلى الإصلاح”.
– غياب البيئة الحاضنة للطلبة الذين استفادوا من الإصلاح التعليمي خلال القرن التاسع عشر لتفجير طاقتهم، وذلك من خلال تهييء شروط الأرضية المناسبة، التي يمكن الاستناد إليها. وهذا بالضبط ما كان يفتقر إليه المجتمع المغربي وقت إرسال البعثات التعليمية وعودة أفرادها، حيث لم يجدوا بنية تعليمية، تتيح لهم توظيف ما حصلوا عليه من معارف جديدة، إذ لم تكن آنذاك مدارس كان بالإمكان أن يتولّوا فيها مهام التدريس لتعليم اللغات الأجنبية التي لاشك أنّ بعض الخرّيجين كانوا يتقنونها، كما تم تشغيلهم في مهام بعيدة عن تخصصهم، وتعرضوا للإهمال، خصوصًا بعد وفاة مولاي الحسن الأول”.
كانت هذه الجهود في مجموعها ذات أهمية، ولكنّ عددًا كبيرًا من الخريجين لم تسند إليهم مسؤولية عامة في نطاق تخصصهم، فظل التخطيط والتوجيه والرواتب المغرية وقفًا على العسكريين الأوربيين، حتى لا نكاد نجد إلا أفرادًا قلائل برزوا من الخريجين على الصعيد الوطني أو في حسم معركة أو سد نقص تركه الأوربيون وأسوأ من ذلك أنّ الوظيفة العمومية، لم تكن منظمة.. ولم تكن هناك تنظيمات توحّد المهندسين والتقنيين الوطنيين، فحالما يعودون الى أرض الوطن يتوزعون بين المدن ويتركون وشأنهم مع الأيام، حتى يذيبهم اليأس في مهنة أو حرفة بعيدة عن تخصصهم”.
خلاصة المقال هو ما عبر عنه إبراهيم القادري بوتشيش، في تقديمه لكتاب “البعثات التعليمية” لجمال حيمر بقوله”إنّ أي محاولة تريد إدخال بعض عناصر التحديث على بنيات اقتصادية واجتماعية وذهنية تقليدية، دون أن توازيها عملية تحديث شامل وكلي، وأن تكون منبثقة من تطور داخلي، تبقى محاولة عقيمة ومحكومة بإخفاق متواصل وغير قادرة على إحداث تحوّل حقيقي”.
