لأن السياسات العمومية تبنى على أساس خدمة طبقة الاغنياء، بالرغم من أنهم اقلية داخل المجتمع.
إن اهم سياسة عمومية تعبر عن التمييز الطبقي الفظيع هو قطاع التعمير، فهو المدخل الرئيس لكل السياسات العمومية الأخرى.
خذ نموذج المدينة الخضراء بالقرب من الدارالبيضاء في مقابل مدينة الرحمة بالمدينة نفسها، فهما نموذجين متناقضين بشكل فظيع.
فإنسان المدينة الخضراء، يتوفر على كل شيء تقريبا، فهو يدرس في البعثات الاجنبية بلغات أجنبية، وبالكاد يتحدث الدارجة، ويتوفر على كل متطلبات الحياة وحتى الكماليات، بحيث تتوفر مستشفيات متطورة، وفضاءات الترفيه والتسوق وغيرها.
كما انه يقطن بالقرب من الطريق السيار، وبالتالي لا يحتاح للمرور عبر المدن وتناقضاتها، كما انه قريب من المطار ولا يحتاج الا لدقائق للوصول إليه.
فإنسان المدينة الخضراء وأمثالها من مدن الضواحي، هو إنسان يكبر دون أن يعرف المغرب الحقيقي بتناقضاته العميقة، وهذا الإنسان عندما يصبح مسؤولا في إحدى المناصب، بحكم توفره على تعليم وتكوين جيدين في أعرق الجامعات الدولية، لا يعرف حقيقة الواقع المغربي المعقد.
أما إنسان مدينة الرحمة وأمثالها من أحياء الطبقات الشعبية والطبقة المتوسطة الدنيا فهو إنسان يعيش في معاناة يومية مع أبسط الضروريات، في ظل ضعف كبير في البنيات التحية والاجتماعية من تعليم وصحة ونقل وفضاءات خضراء وترفيه وغيرها. كما أن هذه الأحياء الجديدة المخصصة للطبقات الشعبية والطبقة المتوسطة الدنيا هي أحياء استفادت منها قلة قلية لتحقيق ثروات ضخمة نتيجة الاستثمار في بناء هذه الأحياء والمدن.
ويتجلى التناقض الصارخ حتى في الإنفاق العمومي، فإذا كان إنسان المدينة الخضراء وأمثالها يكلف ميزانية الدولة -بما فيها ميزانية الجماعات الترابية- أموالا كبيرة، نتيجة الاسثمار في البنية التحتية، من طرق وشبكة كهرباء وإنارة عمومية جيدة وفضاءات خضراء وغيرها، فإن إنسان مدينة الرحمة وامثالها لا يحظى بالقدر نفسه، بالرغم من أن مدينة الرحمة وأمثالها تضم كثافة سكانية عالية جدا.
إن هذا التمايز هو السبب في معاناة الطبقات الشعبية من الكوارث الطبيعية، نتيجة عدم توجيه السياسات العمومية لخدمة هذه الطبقات في مقابل توجيهها نحو خدمة الطبقة المتوسطة العليا والبورجوازية الكبيرة.
-علي فاضلي-
