فيصل الأمين البقالي


 استقالة العقل مَفْسَدَةٌ للدين كما أن إقالة الدين مَفْسَدَة للعقل!

وإنَّ عَرْضَ الدين بغباء مُناقضة للفِطَر ومعاصاةٌ للقُدَر، والدعوةَ إليه بغباء جهل بأسرار النفوس وبأحكام الملك القدوس، ومحبتَه بغباء غلوٌّ فيه وتعصبٌ لرأي كل سفيه .. فِتَنٌ في الدين تصُدُّ عنه وقد تدفع إلى الكفر به وكُرْهِ أهله.

وفي السيرة النبوية قصة نمُرُّ عليها وإنها لفي غاية الأهمية، وعمق المعنى .. وأقصد قصة الصحابية الجليلة حَبِيبَة بِنْتِ سَهْلٍ رضي الله عنها التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذنه في أمر يُحْرِجُ المرأة ويُعْيي لسانَها وجنانَها .. جاءت تريد الطلاق من زوجها ثابت بن قيس رضي الله عنه..

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قيسٍ أتتِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَت: “يا رسولَ اللَّهِ! ثابتُ بنُ قيسٍ، أما إنِّي ما أعيبُ عليهِ في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولَكِنِّي أكْرَهُ الكُفرَ في الإسلامِ”! .. فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: “أتردِّينَ عليهِ حديقتَهُ؟” قالَت: “نعَم” قالَ رسولُ اللَّهِ: “اِقبَلِ الحديقةَ وطلِّقها تَطليقةً”

والحديث واضح المعنى وهو حديث صحيح .. امرأةٌ تطلب خلع زوجها .. وما أكثر هذا في أيامنا وقبل أيامنا .. وفي حضارتنا وغير حضارتنا !! ولكن الذي يستوقف الذهن في هذا الحديث، هو إقحام كلمة “الكفر” في سياق قد يبدو بعيدا عنه كل البُعد!! فقد قالت السيدة رضي الله عنها “ولكني أكره الكفر في الإسلام”! ! ! ..

لقد جاءت تعرض طلبها في غاية الأناقة ولكن مع نفاد صبر وحسم قرار .. وقدّمت بين يديه بكلام في غاية المروءة ولكن مع نَأمَةِ الحَنَق.. إنها لا تعيب عليه دينا ولا تعتب (بضم التاء أو بكسرها) عليه خُلُقا .. ولكنها كنَّتْ على ما تكره منه بأنه “الكفر في الإسلام”!

الكفر في الإسلام؟…

وما الكفر في الإسلام؟ ..

وكيف يكون الكفر في الإسلام؟ …

إننا عندما نعرّج على شروح الحديث نجدها تؤول في الغالب إلى معنى واحد لكلمة الكفر في هذا السياق .. وهو معنى يصل إليه المرء بتوفيق ربه وإرهاف ذائقته إن أنعم النظر .. ففسّروا كلمة “الكفر” ههنا بكراهيتها لزوجها وعدم طاقتها لرجلها (كما ورد في رواية أخرى) وانعدام حبها له وإعجابها به ..

ففي رواية أخرى نقرأ: “قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ رَأْسِي وَرَأْسُ ثَابِتٍ أَبَدًا إِنِّي رَفَعْتُ جَانِبَ الْخِبَاءِ فَرَأَيْتُهُ أَقْبَلَ فِي عِدَّةٍ فَإِذَا هُوَ أَشَدُّهُمْ سَوَادًا وَأَقْصَرُهُمْ قَامَةً وَأَقْبَحُهُمْ وَجْهًا فَقَالَ أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ قَالَتْ نَعَمْ وَإِنْ شَاءَ زِدْتُهُ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا” قال الحافظ ابن حجر في ذلك: “وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْمَعْنَى: أَخَافُ عَلَى نَفْسِي فِي الْإِسْلَامِ مَا يُنَافِي حُكْمَهُ مِنْ نُشُوزٍ وَفَرْكٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَقَّعُ مِنَ الشَّابَّةِ الْجَمِيلَةِ الْمُبْغِضَةِ لِزَوْجِهَا إِذَا كَانَ بِالضِّدِّ مِنْهَا فَأَطْلَقَتْ عَلَى مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِسْلَامِ الْكُفْرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي كَلَامِهَا إِضْمَارٌ أَيْ إِكْرَاهُ لَوَازِمِ الْكُفْرِ مِنَ الْمُعَادَاةِ وَالشِّقَاقِ وَالْخُصُومَةِ”

لقد نطق منها جانبها البشري الإنساني وسمّت كل ذلكم “الكفر في الإسلام” .. ولم يكن “جانبها البشري الإنساني” مناقضا لجانبها الروحي والتزامها الديني وإكراهاتها الاجتماعية، ولكنها خافت من أن يتناقضا فأطلقت على هذا التناقض المحتمل كلمة “الكفر في الإسلام” .. لقد أنصفت في التصرف إذ قصدت النبي صلى الله عليه وسلّم أولا، وأنصفت في الوصف زوجَها إذ وصفته بما فيه من الخير ثانيا، وأنصفت نفسَها ودينَها عندما خافت التناقض المُؤدّي إلى “الكفر في الإسلام” ثالثا ..

إن “الكفر في الإسلام” لهو ذلك الوضع العقلي والنفسي الذي يكون فيه المرء مخيَّرا بين فطرته التي فطره الله عليها وطَبَعه بها، وبين فهمٍ للدين مؤدٍّ إلى التناقض مع تلكم الفطرة .. فلا المرء بدينه يتفيأ ظلاله، ولا هو بطبيعته ينعم بثمرتها .. إنه “الكفر في الإسلام” ..

هذا “الكفر في الإسلام” نتيجة حتمية ل اللعب بالدين ممن لا يحسن فهمه مهما صلحت منه النيات .. بل وربما ظن بنفسه أو ظن به غيره حسن الفهم للدين .. أو غرَّهُ كثرة حَمْلِه لكتبه وسماعه من العلماء والدعاة .. فالدعوة إلى الله بمعناها العام أو بمعناها الخاص كما هو عند أبناء ما كان يصطلح عليه بـ “الصحوة الإسلامية” أو ما زال يسمى بـ “الحركة الإسلامية” أمر يحتاج إلى حسٍّ سليم وذوق رفيع وتمييز فارق وهي أمور تتفرع عن عقل راجح وفكر واضح ونفسية متوازنة .. وإلا فهي الفتنة التي استجار منها القرآن على لسان الصالحين لكي لا يكونوا فتنة تصُدُّ عن الحق وتُزهِدُ في الدين .. فقال تعالى على لسانهم: “رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”..

إنه مَفسَدَة للقابلية الإدراكية والذائقة السلوكية التي تمثل خامة التدين الصحيح .. فَسَفَهُ العقل يُسَفِّهُ التدين ويجُرُّ بالسوء على الدين نفسه .. وليس شيءٌ أصحَّ للتدين من التعقل .. وهو من قوة المؤمن الأحبِّ إلى الله تعالى ..

وكم من مُدَّعٍ للعقلانية مُتَحَقِّقٌ بتمام وصف السَّفه، فلا ينفعه مع ذلك تديّنٌ ولا إلحادٌ فيه ..

وقد قابلتُ منذ سنوات مُلحدا صميما ولكنه امرؤٌ عاقل حصيف .. فاستطعنا أن نجري حوارا وتعايشا وشِبْهَ صداقة رغم كل التناقض الصارخ .. وقد كان لي في حياتي أصدقاء عصاة وآخرون هداة .. وكان مِنَ العُصاة بعض عاقل حصيف، ومن الهداة بعض أحمق سخيف .. وقد علّمني القرآن أن أفَضِّلَ المهتدي على غيره وإن أعجبني غيره؛ ولكن هذا لا يمنع من القول بأن عقلَ الأول كان أسعف في تمشية الأمور وقضاء الحوائج من سخف الثاني وحمقه! كما قد أرتني الأيام كثيرا من حمقى المتدينين لم يفتؤوا حتى جنحت بهم رياح السُّنَنِ خارج دائرة الاستقامة .. وأرتني كثيرا من عقلاء المترخِّصين والمتهتكين لم يزالوا حتى آبت بهم فِطَرُهم السّوية نحو مرابض الاستقامة والطهر .. فما أكثر ما يكون العقل منجاة وكيف لا وهو مناط التكليف وعمود التشريف؟

بل لقد رأيتُ الحمقى والمتنطعين وبالا على كلِّ اختيار، سياسي أو ثقافي أو إيديولوجي أو ديني أو طائفي أو مذهبي.. ورأيت المتعقلين زينا لكل اختيار وعملة سارية بيسر لدى كل تيار. فهم محطُّ الرضا وموضع الثقة والاحترام، تُحَلُّ بهم ولهم عُقَد المجتمعات صَغُرَت أو كَبُرت ..

فأما العقل مع الدين والدين مع العقل، فالكمال المنشود والسعد المسعود..

نسأل الله أن يطهرنا بالدين ويجمّلنا بالعقل، ونعوذ بالله من “الكفر في الإسلام” .. والسلام ..

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version