في حلقة هذا الأسبوع حديث عن المؤسسات التابعة للإسبان بمدينة طنجة، كالمدارس والكازينو، ومسرح سرفانتيس وما عرفه من مشاكل حول تمويله، وتأثير إعلان الجمهورية في إسبانيا على وحدة جاليتها بطنجة..
——————
إِسبانُ طنجة
الحلقة التاسعة
“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..
———————-
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
المترجم: محمد بوزيدان
ـ ملامح الهوية الإسبانية في المدينة:
سيزداد الطابع الإسباني للمدينة وضوحًا بعد تأسيس نظام الحماية، رغم أنّ وضعه القانوني لن يتحدد إلا بعد بضع سنوات. وستُفتتح في سنة 1913 منشأتان إسبانيتان بارزتان: مسرح ثيربانتس ومدارس مركيز دي كاسا رييرا التي سيُطلق عليها لاحقًا اسم مدارس ألفونسو الثالث عشر.وتُعدّ هذه السنة أيضًا سنة وفاة رسّام الألوان المائية خوسيه تابيرو إي بارو، الذي أصبح أحد أبرز المرجعيات الإسبانية في المدينة.
كان مسرح ثيربانتس، في رأي ألبرتو إسبانيا، “تمهيدًا رائعًا لمرحلة جديدة”، فالمسرح الذي بُني بين مطلع سنة 1911 ودجنبر 1913 على يد الزوجين مانويل بينيا وإسبيرانثا أوريلانا، وبكلفة مرتفعة (أكثر من نصف مليون بسيطة) التي اعتبرها البعض تبذيرًا غير مفهوم، كان مشروعًا تُحرّكه الروح الوطنية السائدة بين الجالية الإسبانية. وقد تجاوزت سعة المسرح ـ التي بلغ عددها 919 مقعدًا ـ بكثير احتياجات الجالية الأوروبية التي كان موجَّهًا إليها. تم توزيع مقاعد مسرح ثيربانتس على الشكل التالي: 454 مقعدًا على 20 صفًا في صحن المسرح، و260 كرسيًا موزعة بين البالكونات والصفوف الأمامية، و27 كرسيًا للصف الأمامي، و178 مقعدًا خشبيًا في المدرّج، وذلك وفقًا لـجرد الأثاث والموجودات الخاص بالمسرح الكبير ثيربانتس المنجز في 31 مارس 1937.
وبعد سنوات قليلة، وبسبب عجزه الاقتصادي، بيع المسرح سنة 1929 إلى الدولة الإسبانية مقابل 450.000 بسيطة، مع تقديم مبررات ذات طابع وطني من قبيل “تجنب انتقال الملكية إلى أيادٍ أجنبية، وضمان امتلاك مسرحنا الوطني لخشبة خاصة به، وتمكينه من القيام من خلالها بعمل ثقافي وتوسيع انتشار لغتنا، وهي مسألة بالغة الأهمية في هذه المدينة الدولية”، هذه المبررات وَردت في رسالة المكلّف بإدارة المسرح إلى جمعية المؤلفين بتاريخ02 غشت 1929 يبلّغ فيها عن سداد حقوق الأداء المتعلّقة بعرض مارغاريتا شيرغو، لكنه يطلب معاملة تفضيلية نظرًا للظروف الخاصة التي تعرفها المدينة.
هكذا كان يعلّل مستأجر المسرح أمام جمعية المؤلفين، وفي الوقت نفسه يطالب بإعادة تصنيف المسرح عند دفع حقوق الملكية بالنظر إلى خصائص الجمهور الطنجاوي حيث خاطبهم قائلا:
“إن مسألة حقوق المؤلف التي حددتموها تندرج في فئةٍ وإن كانت تناسب العدد الإجمالي لسكان طنجة، فهي مبنية على تقدير خاطئ، إذ يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ من بين الأربعين أو الخمسين ألف نسمة التي تعيش هنا، هناك خمسة وثلاثون ألفًا من الأهالي الذين بالكاد يدركون اللغات الأوروبية، والذين لا يحضرون المسرح إطلاقًا لأنهم لا يفهمونه، مما يجعل عدد السكان الذين يمكن للعروض المسرحية أن تستهويهم لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة آلاف نسمة، ينتمي معظمهم إلى الطبقة العاملة.
ومن ناحية أخرى، يجب احتساب أن بين هؤلاء الثلاثة أو الأربعة آلاف هناك نسبة خمسين في المائة من اليهود، تختلف عقليتهم عن عقليتنا، مع ضرورة مراعاة أن لا هؤلاء ولا مواطنينا هنا لديهم تعلق كبير بالمسرح، وأنّ تشجيع هذا الولع يتطلب وقتًا طويلًا وتضحيات مالية غير قليلة”.
كانت مدارس ألفونسو الثالث عشر عبارة عن مَبنيين كبيرين جرى تدشينهما في 23 مارس 1913، خُصِّصا لتعليم الأطفال من البنين والبنات في المراحل الابتدائية والثانوية، ولم تكن هذه أول مدرسة أوروبية كبرى في المدينة، إذ كانت فرنسا قد شيّدت بين عامي 1908 و1910 مؤسساتها التعليمية، التي لا تزال تعمل إلى اليوم وتقدّم تعليماً نظامياً.
أما المدارس الإسبانية فكانت ثمرة تبرّع قدّمه ماركيز كاسا رييرا للملك الإسباني، والذي بدوره وضعه في يد أسقف فاس (أبرشية شمال المغرب) للبناء على أرض وفرتها البعثة الكاثوليكية.
وقد تولّت الراهبات والرهبان الفرنسيسكان، تعليم نحو 500 طفل، ولا تزال الراهبات حتى اليوم يُدِرن المبنى المخصّص للأنشطة الخيرية وغيرها.
في سنة 1918 تأسست هيئةٌ جمعت لسنواتٍ نخبةً معيّنة من الإسبان في طنجة، وهي “الكازينو الإسباني”، وقد تكوَّن مكتبها المسير الأول من: إرنستو فرييري (الرئيس) وهو القنصل الإسباني بين 1914 و1920، صامويل غويتا (نائب الرئيس)، ريكاردو سانث (أمين الصندوق)، مانويل بالادييث (الكاتب)، وعضوية كلٍّ من خوان غوميث ماتيوس، خوسيه موريرا، رافائيل غاديّا، أكيليس بيفو، وخوسيه ماركو.
أما النظام الداخلي، الذي أُقرَّ في اجتماعٍ عام بتاريخ 17 نوفمبر من السنة نفسها، فعلى الرغم من تسمية «الكازينو» وصفة الأعضاء الفخريين الممنوحة لكل من الوزير والقنصل الإسبانيَّين، لم يحدّد أي شرطٍ يجعل العضوية فيه حصريةً على الجنسية الإسبانية.
ويشير ألبرتو إسبانيا نفسه في كتابه حياة في طنجة إلى “عناصر متناثرة، وإن لم تكن إسبانية، فقد تعاطفت منذ زمنٍ بعيد معنا”.
كان أول مقر للكازينو في الطابق الأول في بناية مقهى سنترال في سوكو تشيكو، الذي كان يُعَدّ بحقّ المركز الحيوي للمدينة، وبعد ذلك انتقل إلى مبنى آخر قريب فوق حانة تنجيس وهو أوسع حجماً، يوجد في زاوية الساحة الصغيرة بين زنقة الصياغين وزنقة النصارى.
وشملت أنشطته اللقاءات الثقافية، ولعب الشطرنج والبلياردو والموسيقى، إضافة إلى مكتبة ومعارض ومحاضرات، مستفيدا من مرور بعض الشخصيات القادمة من شبه الجزيرة الإسبانية.
أدّى الكازينو الإسباني لسنواتٍ وظيفته في جمع نخبة طنجة، متابعًا عن قرب تطوّرات الحياة السياسية في شبه الجزيرة. ومع تعقّد أوضاع الجالية الإسبانية، بدأت تظهر اختلافات أثّرت في حياة الكازينو. وكما يقول ألبرتو إسبانيا: “مياه البحيرة الطنجاوية الهادئة والرصينة بدأت تفقد صفاءها”.
وكما سيعلّق في كتابه حياة في طنجة، مشيرًا إلى إعلان الجمهورية:
منذ ذلك الحدث الجوهري في تاريخ إسبانيا، لا بدّ من الاعتراف بأن الجالية الإسبانية في طنجة، التي كانت دائمًا متماسكة ومتآلفة أمام أي نداء وطني، مهما كان مصدره، بدأت تتفكك إلى مجموعات صغيرة ليست مجموعات مناوئة للوطن —فهذا لا يمكن تصوّره— ولكنها تتباين في نبرة شعورها الوطني، وفي طريقة فهمها للمواطنة، تمايُزات لا يمكن وصفها بالمدانة، لكنها كانت ترسم هنا انقسامًا لم يسبق أن ظهر للعيان.
