يتطرق مقال هذا الأسبوع لوصف الجالية الإسبانية بطنجة التي كانت تزاحم أهلها في المهن والحرف البسيطة، وانهيار المقبرة المسيحية، وخصائص الطائفة اليهودية بالمدينة..
————-
“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدهم..
———————————————————-
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
المترجم: محمد بوزيدان
ـ الجالية الإسبانية، غير متجانسة وقليلة الكفاءة والتأهيل:
أضاف الكاتب إلى ساكنة المدنية 500 فرد من الشرطة الفرنسية-المغربية، و250 من الشرطة الإسبانية-المغربية، و1.500 من القوات المغربية. وفي 11 ماي سنة 1909، أُرسلت مقتطفات من المقال من فاس إلى وزير الدولة الإسباني من قِبل الوزير المفوض، الذي كان في مهمة استثنائية لدى السلطان.
في تعليقه على البيانات، اعتبرها المُرسِل دليلاً من الاستخبارات الفرنسية على الغلبة غير المسبوقة للعرق الإسباني في هذه الإمبراطورية، مشيرا إلى أن إحصاء الإسبان لم يُنجز بعد بالكامل، وأضاف: “الآن، كل ما تبقى لنا هو أن نتعلم كيف نستفيد من وجود هذه الكتلة من مواطنينا في الأراضي المغربية، إن الطبيعة غير المتجانسة وغير المُنتقاة لجاليتنا تُصعّب تنظيمها والاستفادة منها لنشر نفوذنا والتأثير بفعالية”.
ويختتم بتوصيات لمواجهة هذا العائق، مشدّدًا على الحاجة الأساسية والملحّة لإصلاح وتحسين المصالح والخدمات العمومية الإسبانية (…) واستدعاء رؤوس الأموال الإيبيرية، التي سيُسهم استثمارها في المغرب في إحياء هذه الكتلة الجامدة من الإسبان، الذين تتحرك طاقاتهم ــ بسبب غياب الغيرة الوطنية ــ غالبًا في الفراغ أو تُستعمل كأداة مادية لغايات ومشاريع ليست غاياتنا ولا مشاريعنا.
لا تختلف معطيات هذا التقدير كثيرًا عن تلك الواردة في أرشيف البعثة الكاثوليكية في طنجة، الذي قدّر عدد المسيحيين في المدينة سنة 1909 بـ 8.300 شخص، وفي مجموع المغرب بـ 10.435 شخصًا. ولنرَ، وفقًا لهذا المصدر، تطوّر هذه الأرقام إلى غاية دخول النظام الدولي للمدينة حيز التنفيذ سنة 1923، وتُدرج أيضًا معطيات الجالية اليهودية بطنجة نظرًا لمساهمتها المهمة في الطابع الإسباني للمدينة.
يُظهر أرشيف البعثة الكاثوليكية بطنجة المتعلق بالسكان المسيحيين واليهود وفي مجموع المغرب خلال الفترة الممتدة بين 1910 و1923 ديناميات ديمغرافية متباينة تُبرز التحوّلات العميقة التي عرفتها البلاد في سياق التوسع الأوروبي وفرض نظام الحماية ثم إرساء النظام الدولي لطنجة.
فعلى مستوى الطائفة المسيحية في طنجة، تكشف الأرقام عن منحى تصاعدي واضح؛ إذ ارتفع العدد من 8.631 فردًا سنة 1910 إلى 15.000 سنة 1923. ويعزى هذا النمو إلى رسوخ الوجود القنصلي الأوروبي وتوسع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمصالح الأجنبية، بالإضافة إلى الدور الذي لعبته المدينة باعتبارها مركزًا دبلوماسيًا مفتوحًا. ورغم التأثيرات السلبية للحرب العالمية الأولى –التي أفضت إلى تراجع ملحوظ سنة 1918 ثم 1919– فإن الطائفة استعادت نموها سريعًا، لتبلغ ذروتها مع دخول النظام الدولي لطنجة حيّز التنفيذ سنة 1923.
أما بالنسبة إلى السكان المسيحيين في مجموع المغرب، فقد سجلت المعطيات نموًا أكثر حدّة واتساعًا، إذ انتقل عددهم من 13.852 سنة 1910 إلى 100.121 سنة 1920، ويعكس هذا الارتفاع الكبير التحولات السياسية التي رافقت فرض نظامي الحماية الفرنسية والإسبانية سنة 1912، وما نتج عنه من تدفّق للموظفين والعسكريين والتقنيين الأوروبيين، إضافة إلى توسع البُنى الإدارية والاقتصادية التابعة للقوتين الحاميتين. وبعد بلوغ الذروة سنة 1920، شهد العدد تراجعًا نسبيًا في السنوات اللاحقة، ما يرتبط بإعادة هيكلة الوجود العسكري والإداري عقب الحرب العالمية الأولى.
وبالنسبة إلى الطائفة اليهودية في طنجة، فرغم التحوّلات الإقليمية والدولية، فقد أظهرت استقرارًا نسبيًا، مما يؤكد تجذّرها التاريخي في المدينة ودورها الحيوي في شبكاتها التجارية والحرفية والثقافية. ويُظهر هذا التماسك أن طنجة لم تكن مجرد نقطة التقاء بين أوروبا والمغرب، بل كانت أيضًا فضاءً للتعايش والتفاعل بين مكوّنات دينية وثقافية متعدّدة. فقد حافظ اليهود على كتلة سكانية كبيرة ومستقرة نسبيًا، تتراوح بين 22.000 و50.000 فرد في الفترة المدروسة، وتشير الطفرات المسجلة بين 1911 و1913 إلى هجرات داخلية نحو طنجة، التي كانت تُعد فضاءً أكثر استقرارًا وأمانًا مقارنة بمدن الداخل، فضلاً عن موقعها كمركز تجاري ودبلوماسي ذي صبغة دولية، ويعكس هذا الاستقرار الدور التاريخي للجالية اليهودية في الحياة الاقتصادية والثقافية لطنجة.
بشكل عام، تؤكد هذه المعطيات أنّ طنجة قبيل وبعد فرض النظام الدولي كانت فضاءً متعدد الثقافات، نتجت خصوصيته عن تفاعل ثلاثة مكوّنات رئيسية: الوجود الأوروبي المتنامي، الجالية اليهودية المستقرة، والسكان المحليون. كما تكشف الأرقام عن أثر السياسات الاستعمارية والظرفية الدولية في إعادة تشكيل الخريطة السكانية للمدينة وللمغرب ككل خلال العقود الأولى من القرن العشرين.
أدّى تزايد عدد الأوروبيين في المدينة إلى انهيار المقبرة المسيحية القديمة الواقعة بجوار المفوضية الألمانية (المندوبية حاليًا)، قرب سوق البرّاني. وفي 14 أبريل 1913، كتب ريكاردو رويث أورساتي، رئيس المجلس الصحي للمدينة، إلى النقابة الدولية لتنمية طنجة موضحًا في هذا الصدد أنّ ما كان يحدث في المقبرة القديمة يُعدّ “فضيحة كما أنه خطر على الصحة العامة”، نظرًا إلى أنه “لا يمكن دفن ميت جديد إلا برفع قبر قديم”. وقد قام المجلس في 8 نونبر 1913، باقتناء أربعة قطع أرضية خصّصها لمقابر مسيحية ويهودية في منطقة بوبانة عند سفح الجبل القديم، وذلك عقب حملة صحفية وتعبئة الرأي العام. وقد عكست هذه الحملةَ الرسالةُ التي وجّهها ب. باخاريس، رئيس المحفل الماسوني العمّالي “فرانثيسكو فيرّير رقم 2” بطنجة، التابع لاتحاد الشرق الأعظم الإسباني، والمؤرَّخة في 20 غشت 1913، حيث شدّد على أنّ تأخير إغلاق المقبرة القديمة يشكّل “اعتداءً على الصحة العامة”. وقد أرسل القائم بالأعمال في المفوضية الإسبانية بطنجة السيد لوبيث روبرتس نسخة من الرسالة إلى وزارة الدولة، مشيرًا إلى أنّ المحفل المذكور “يتكوّن من عمّال مقيمين في طنجة منذ وقت طويل، وأنّ هذا المحفل ليست له أي أهمية”.
وتبرز هذه الوثيقة أنّ النقاش حول المقبرة المسيحية القديمة لم يكن محصورًا في الدوائر الرسمية أو الصحية فقط، بل امتدّ ليصبح قضية رأي عام شاركت فيها جهات اجتماعية ومهنية مختلفة، معتبرةً الوضع القائم «خطرًا على الصحة العامة» في زمن كانت فيه الأمراض الوبائية وغياب شبكات الصرف الصحي تمثل تهديدًا حقيقيًا للسكان.
وتشير مراسلة القائم بالأعمال الإسباني، لوبيث روبرتس، لوزارة الدولة إلى زاويتين مهمتين:
1. الاعتراف بوجود فئة عمّالية إسبانية راسخة في طنجة منذ ما قبل الحماية، لها مؤسساتها وتنظيماتها الخاصة.
2. محاولة التقليل من شأن المحفل الماسوني، ربما لتجنّب إعطاء الانطباع بأن الضغط على الإدارة جاء من تنظيم ذي صبغة سياسية أو أيديولوجية، خصوصًا في سياق دبلوماسي حسّاس.
ويعكس هذا التفاعل بين الفاعلين الرسميين (القنصلية، المجلس الصحي) والفاعلين غير الرسميين (الصحافة، العمال، المحافل) طبيعة طنجة كمدينة ما قبل-دولية، حيث كانت القرارات الإدارية والصحية تتأثر بالضغط الجماعي وبالنقاشات العامة، ما مهّد لاحقًا لخصائص النظام الدولي الذي ترسّخ سنة 1923.
