وصلنا بإذن الله للحلقة العاشرة التي تغوص في الصراع الإسباني الفرنسي للهيمنة على مدينة طنجة، وكيف واجهت إسبانيا النظام الدولي..
إِسبانُ طنجة
الحلقة العاشرة
“إسبان طنجة” مقالة للكاتب الإسباني بيرنابي لوبيث غارثيا تتكون من أربعين صفحة، سأنشرها مترجمة للعربية على حلقات. تتحدث عن جذور الوجود الإسباني في طنجة وأهم أسماء العائلات الإسبانية، والأحياء التي استوطنتها، والمهن التي زاولتها والآثار التي تركتها فيها، وعلاقاتها الاجتماعية مع المسلمين واليهود، وكيف كانت طنجة ملجأ للإسبان الفارين من ديكتاتورية بلدههم.
……………………………….
الكاتب: برنابي لوبيث غارثيا
المترجم: محمد بوزيدان
وصل الحال إلى لحظة حرجة سنة 1935، فقد ظهرت مؤسسة أخرى من نفس الطبيعة، هي المركز الإسباني، التي كانت تنافس على استقطاب أعيان الجالية الإسبانية. وبطريقة ما أصبح الكازينو بما له من 209 عضو عامل و55 عضوًا مالكًا، كيانا تهيمن عليه عناصر من الجالية اليهودية الطنجاوية: 104 أعضاء عاملين و30 مالكًا، مقابل 89/22 من الإسبان و9/2 من المسلمين.
وقد كتب القنصل الإسباني، خوسيه روخاس، إلى رئيس الكازينو آنذاك ريكاردو رويث أورساتي، مقترحًا يقضي بدمج المؤسستين بصورة تسمح بحياة أكثر ارتياحًا للجمعية التي ستنتج عن هذا الدمج، وبمجهود أقل من الناحية الاقتصادية ذات الطابع الرسمي. وكانت الرسالة تشير إلى التضحيات المالية التي تتحملها الدولة في دعم المنظمة (10.000 بسيطة سنويًا) من دون أي مقابل من حيث المنافع، إذ يجب الاعتراف بأن ذلك لا يحمل طابعًا إسبانيًا، وأن العمل المنجز لا يتناسب مع ما تقدمه الدولة من دعم.
وتتحدث الرسالة كذلك عن إرهاق رويث أورساتي في تحمل مسؤولية رئاسة الكازينو وعزمه على عدم الاستمرار في المنصب، غير أنه أُعيد انتخابه في 10 مارس 1935، مع استمرار صموئيل غويتا في منصب نائب الرئيس الدائم.
الإسبان أمام نظام طنجة الدولي:
كان إرساء نظام دولي لطنجة ومنطقتها مسألة شاقة اصطدمت بتنافس القوى الكبرى، وهو تنافس ازدادت حدّته بفعل اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكذلك برأي إسبانيا المعارض، إذ كانت تراهن على إدماج المدينة — مع منحها نظام حكم ذاتي — داخل منطقة الحماية التي أُسنِدت إليها بموجب الاتفاق الإسباني/الفرنسي في نوفمبر 1912. وقد سالت في إسبانيا أنهار من الكتابات الصحفية والأدبية، واشتدت الحملات الإعلامية خلال السنوات التي سبقت صدور النظام.
وكانت الرابطة الإفريقية الإسبانية، وهي لوبي يمثل المصالح الإسبانية في المغرب، تُعبِّر سنة 1920 — على لسان أمينها العام كارلوس غارسيا ألونسو — عن الأسباب الداعية إلى ضمّ طنجة إلى الحماية الإسبانية، قائلة:
“لقد هيمن باستمرار في طنجة تأثير إسباني، وهناك يعود الفضل إلينا في جميع البدايات الأولى للتمدين؛ حيث أقامت إسبانيا البريد والهاتف وأسست المدارس ومعهدًا للصحة العامة ومستوصفًا ومسرح سيرفانتس، ومؤخرًا تم تنظيم مدارس رييرا (…) ولكن هذا النشاط الإسباني، الذي يوافق الأساليب الطبيعية التي تعتمدها إسبانيا في الاستعمار عبر الاستيطان السكاني، يصطدم — في عملنا من الأسفل إلى الأعلى — بالنشاط من الأعلى إلى الأسفل الذي تمثله عناصر التوجيه السياسي، وبالعمل المرتبط بالمال الذي يشكّل أساس النشاط الاستعماري الفرنسي.”
إسبانيا وتدويل طنجة:
كانت فرنسا وإنجلترا تعارضان هذا المسعى الإسباني؛ إذ دافعت الأولى عن سيادة السلطان على طنجة، بينما كانت الثانية تؤيد التدويل. أما النظام الذي استقر عليه الأمر في مؤتمر باريس، الذي اختُتم في 18 ديسمبر 1923، فكان مزيجًا من الاقتراحين الفرنسي والإنجليزي، وقد كانت خيبة الرأي العام في إسبانيا كبيرة للغاية.
وبحسب رأي رئيس الرابطة الإفريقية أنطونيو غويكوتشيا وهو وزير ماوريسي (ينتمي لحركة سياسية إسبانية محافظة رائدها هو أنطونيو مَاوْرَا) سابق، فإن «نظام طنجة، ما دام يؤكد سيادة السلطان على تلك المدينة، فهو يعادل بالنسبة لإسبانيا بتر عضو أساسي لا غنى عنه إطلاقًا في تطور سياستها المتوسطية (…). طنجة التي ستعتمد من الآن فصاعدًا على السلطان الخاضع للحماية الفرنسية، تصبح مدمجة فعليًا ضمن المنطقة الفرنسية”. وكانت الصحافة كلها، بصوت واحد، ترى أن النظام يخيب الآمال الوطنية الإسبانية.
وكان كاتب الافتتاحية في لافانغوارديا يشتكي أيضًا من أن الظروف في إسبانيا غير طبيعية، وبسبب النظام الداخلي، تم تعليق حق الاجتماع، وفُرضت الرقابة، وكان ينبغي فتح النقاش، على الأقل في هذا الظرف، حتى يجد الرأي العام متنفسًا يمكن وصفه بأنه وطني.
استمرت الشكاوى الإسبانية بشأن المآل النهائي للنظام الأساسي لسنواتٍ عديدة بعدها، فحوالي عام 1929، قام إغناسيو باوِر، وهو يهودي ذو نفوذ كبير ومالك صحيفة “إل هيرالدو” وعضو مجلس الشيوخ خلال دكتاتورية بريمو دي ريفيرا، بكتابة مقدمة لكتاب بعنوان “يجب أن تكون طنجة إسبانية، رأي إسبانيا”. وقد جُمعت في هذا الكتاب آراءُ سياسيين تتراوح بين بريمو دي ريفيرا نفسه ونيثيتو ألكالا ثامورا، وكذلك آراءُ مختصين مثل إميليو بونيلي، وماركيز دي ميري ديل بال، و كارلوس غارسيا ألونسو المذكور آنفا، بل وآراءُ هيئات ومؤسسات من بينها عدة غرف تجارية إقليمية والجمعية الجغرافية الملكية.
وكان يمكن تلخيص جزء كبير من المداخلات الواردة في هذا الكتاب في العبارة التي قالها إينداليثيو برييتو بشأن طنجة:
“لا يمكنا نحن الإسبان أن نستسلم لفكرة إرادة اختزال إسبانيا إلى الوضع البائس كحديقة خلفية لفرنسا”.
في عام 1924 أُجري إحصاء للسكان الإسبان المقيمين في المدينة، وأسفر عن عدد بلغ 6.937 شخصًا، وهو رقم بلا شك أقلّ من العدد الحقيقي. وبعد اثني عشر عامًا، عشية مراجعة نظام طنجة، برزت ضرورة إجراء إحصاء جديد، على اعتبار أن عدد الأشخاص المُقيَّدين “حجة أساسية لتحسين صياغته الجديدة لصالح إسبانيا”، كما عبّر عن ذلك القنصل خوسيه روخاس في رسالة إلى الوزارة بتاريخ 3 مايو 1935.
وقد أُعلن عن الإحصاء في الصحف المحلية إل بورفينير، وإل موغريبي، وهيرالدو دي مارويكوس، ولا تريبيونا إسبانيولا، وغاسيتا دي أفريكا، وديموكراثيا، وتمّ إنجازه بواسطة ثلاثة موظفين من القنصلية بمساعدة ثلاثة رهبان فرانسيكان، حيث جرى التعداد من منزل إلى آخر بغية جمع أكبر عدد ممكن من الإسبان. ولتشجيع التسجيل، أُبلغت الجالية في إشعار بأنه إلى جانب الإحصاء الرسمي كان يُجرى إحصاء آخر لأولئك المواطنين الذين يُعتبرون، بسبب مواردهم الاقتصادية المحدودة، مؤهلين للحصول على خدمات مجانية من الجمعيات الخيرية الإسبانية. وقد استغرق الإحصاء عدة أشهر، وكانت الحصيلة المؤقتة التي حُدِّدت في نهاية يناير 1936 تبلغ 9.979 إسبانيًا، غير أن القنصل كان يقدّر إمكانية بلوغ العدد النهائي 12.000 شخص.
