بلال الداهية
من أعلام الحركة الصوفية التي شهدتها الأخماس في العهد الوطاسي ومطلع العصر السعدي أبو الحجاج يوسف التليدي، وهو من خمس بني تليد وقد خرج صغير لأخذ العلم بفاس ثم لقي الشيخ عبد الله الغزواني فأخذ عنه التصوف وصار من جملة مريديه. ورافقه في الزيارة التي اكتشف فيها قبر عبد السلام بن مشيش بجبل العلم. وقد أمره الشيخ الغزواني أن يبني زاوية في داره ببني تليد تكون بابها مفتوحة للإطعام وإكرام الضيوف، وفي ذلك تورد النصوص أن الغزواني قال في تلاميذه الثلاثة: “الهبطي للكلام والتليدي للطعام وعبد الرحمن ابن ريسون ياقوتة تضيء في جبل العلم”. واشتهرت الزاوية التليدية إلى جانب كونها مدرسة صوفية أنها كانت مفتوحة في وجه عابري السبيل، وقد أوقف الشيخ أبو الحجاج يوسف عليها كل ما كان يملك، وتثبت الكثير من الوثائق أن أهل الأخماس كانوا يحبسون الكثير من أراضيهم وأملاكهم في القرون التالية عليها. كما تتميز هذه الزاوية بأن فيها جناحا للرجال وآخر خاصا بالنساء لتعليمهن أمور الدين.
ويشبه التليدي معاصره الهبطي في نقمة صاحب الشاون عليه وهو أبو سالم إبراهيم ابن راشد إذ ألقى عليه القبض لأمر لا تذكره المصادر وسجنه في “مطمورة” قلعة الشاون زمنا غير معلوم بأمر من السلطان الوطاسي في فاس، ثم أطلقه بعد ذلك وتحسنت علاقته به بل إنه تأدب معه أدبا شديدا، وحينما توفي الشيخ كان الأمير ابن راشد من جملة الذين مشوا في جنازته مع قاضي المدينة وخلق كثير وكلهم حفاة ورؤوسهم مكشوفة تأدبا معه.
وقد حصل بين يوسف التليدي ومعاصره الهبطي خلاف في آخر حياتهما، ويزعم ابن عسكر أن الهبطي دعا على التليدي فخرس لسانه وشلت يده فعجز عن الكتابة بعد ذلك، وبقي على هذه الصفة إلى أن توفي حوالي عام 950 هـ/ 1543م وشيع من الشاون إلى مسقط رأسه فدفن بالزاوية التي أصبحت لاحقا مدشرا يعرف ب”زاوية سيدي يوسف التليدي”، وأجمع مترجموه على كونه لم يعقب، وإن ادعت بعض العائلات الآن أنها من ذريته وبرسوم قديمة ومنها عائلتا “أركتوت” و”القسطيط”. والله أعلم بذلك.
ومن أصحاب التليدي متصوف خمسي آخر هو أبو محمد عبد الله الملقب ب”الشريف” من أهل السقيفة ببني فلواط وقد عرف عنهم الانتساب إلى الشرف، وقد وصفه ابن عسكر عام 954 هـ/ 1547م ب”الفقيه الجواد الفاصل”.
لم تتوقف الحركة العلمية بقبيلة الأخماس عند القرن السادس عشر الميلادي فقد استمرت بعد ذلك نشيطة، وكان للأسرة اليلصوتية تحديدا عظيم السهم فيها، فقد لقي أبو العباس المقري التلمساني أبا علي الحسين اليلصوتي الزرويلي وسمع منه بعض أخبار بني الأحمر بالأندلس وذلك في أوائل القرن الحادي عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد. وفي القرن التالي أصبح مدشر “اغرنقاضي” مركزا علميا كبيرا ونبغت به أسرة “مصباح” اليلصوتية، فأنجبت أديبا شهيرا هو أبو الحسن علي بن أحمد بن قاسم بن موسى مصباح الزرويلي الذي برع في اللغة العربية، وله ديوان شعر محقق مطبوع، و”أنس السمير في نوادر الفرزدق وجرير” جمع فيه شيئا من طرائفهما وأخبارهما وأشعارهما وهجائهما لبعضهما البعض، واشتهر أيضا بكتابه “سنا المهتدي إلى مفاخر الوزير أبي العباس اليحمدي” وهو أحد وزراء السلطان إسماعيل العلوي، وقد توفي الأديب علي مصباح حوالي عام 1130 هـ/ 1718م.
وبقيت أسرة اليلصوتيين طيلة العهد العلوي أغنى أسر قبيلة الأخماس وأكثرها وجاهة، وتعدت الولاية والصلاح الرجال منها إلى النساء فاشتهرت في القرون المتأخرة امرأة تعرف ب”للا بدرية” في مدشر “بني حمد الله” – وبهذا الأخير ضريحها – واسمها الحقيقي “حليمة” وأما “بدرية” فعرفت بها لأن أصلها من أولاد “البدري” القاطنين في مدشر “فج الحانوت” بقبيلة اغزاوة الجبلية، وقد قدمت منه بزواجها من أحد اليلصوتيين ثم توفي عنها فورثت ماله وفتحت بيتها لعابري السبيل فكان الطبخ لا يتوقف فيه ليل نهار، وغص مدشر “بني حمد الله” بالطلبة والمريدين، حتى صار هو وجاره مدشر “اغرنقاضي” يوصفان في القرن التاسع عشر بانعدام الأمية نهائيا وبندرة من لا يحفظ القرآن كاملا.
وفي العصر الإسماعيلي أيضا عاش بقبيلة الأخماس أحد كبار أوليائها هو محمد ابن سعادة الذي ينسب إليه مدشر “أولاد ابن سعادة” بخمس بني زرويل، وزعم سليمان الحوات أنه من بقية أهل أبي الحسن الشاذلي، وقد توفي ابن سعادة عام 1157 هـ/ 1744م في سلطنة عبد الله بن إسماعيل.
وظهر في مدشر “القوب” في خمس بني دركول معهد كبير لتعليم القرآن وقد عرف عن قدماء هذا المدشر وعن جاره مدشر “الحرم” أن بعضهم امتهن تسفير الكتب، وهي مهنة نادرة في البادية، وأنهم متفوقون جدا في تقنيات الفلاحة، ولعل هذا من أثر الهجرة الأندلسية، فإن في المدشرين بعض من ينتسب إلى الأندلس، بل إلى المتأخرين من أهلها الذين يعرفون ب”الموريسكيين” ومنها أسرتا “عديلة” و”أحايك” في “القوب” وأسرة “مطراش”.
وقد أحدث أهل الأخماس في العهد العلوي عادة جديدة، حيث اتخذوا خمس رايات وضعت كل واحدة منها في ضريح من الأضرحة الكبيرة في القبيلة، وكلما نوى أهل البلاد زيارة ضريح ابن مشيش أو إعلان الحرب على بعض جيرانهم أو المشاركة في بعض الحملات على سبتة المحتلة أخرجوا هذه الأعلام وحملوها. فوضع أحدها بخمس بني زرويل بضريح محمد ابن سعادة، ووضع الآخر بخمس بني جافن بزاوية سميت “زاوية مولاي إدريس” تيمنا بإدريس بن عبد الله الحسني، ووضع الثالث بخمس “سبعة قبائل” بضريح الحاج أحمد أقطران العسلاني بمدشر “أبروج”، ووضع الرابع بخمس بني دركول بضريح “أحمد العالم” ببني دركول، ووضع الأخير بخمس بني تليد بزاوية أبي الحجاج يوسف التليدي. وكان العلم التليدي أكبرها وأهمها وسماه أهل الأخماس “علم الجهاد”، فكانوا كلما خاضوا حربا أخرجوه معهم ويزعمون أنهم متى ما رفعوه لا ينهزمون قط. وبقي حاله كذلك إلى مطلع القرن العشرين فاستخدموه في بعض معاركهم مع الإسبان ما جعل الخنرال أوسفالدو كاباث Osvaldo Capaz يأمر بقصف القرية كلها بالمدفعية لتدمير الزاوية يوم 4 أكتوبر 1920، وتأخر اقتحام القوات الإسبانية لها إلى عام 1922 فأمر الخنرال مساعده الكولونيل ليناريس Linares بأخذ العلم منها، فنجح في مهمته ونقل العلم بعد ذلك إلى تطوان ثم إلى المتحف العسكري بمدريد لتحطيم معنويات المقاومين.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد الأخماس [5]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/33746626_757850577750619_6943983483563802624_n.jpg)