بلال الداهية
وفي فترة قريبة وفد على متيوة شخص آخر من أكبر صلحائها هو إبراهيم بن صالح دفين مدشر “الزاوية” المنسوب إليه، وهي منبت أولاد “ابن صالح” أهل هذا المدشر ومداشر “تارمصت” و”العرعارة” وغيرها من مداشر متيوة، والذين أصبحوا أعيانها في العصور المتأخرة فكان منهم القضاة والفقهاء وأهل الرياسة، وامتدوا إلى جارتهم الغربية قبيلة بني رزين فاستوطنوا منها مدشر “أزغار”، ونزل بعضهم ساحل البحر من قبائل غمارة. وهذه العائلة تنتسب إلى الشرف الإدريسي الآن وبيدها عشرات الظهائر السلطانية والرسوم التي تنتهي سلسلتها فيها إلى من دعي “عبد العلا بن أحمد بن الأمير محمد بن إدريس بن إدريس”. وتؤكد هذه الرسوم أن الجد إبراهيم بن صالح جاء من قبيلة بني يطفت الريفية إلى متيوة، وهذا قريب بعض الشيء مما ذكره البادسي الذي قال إن إبراهيم المذكور كان من أعيان ووجوه مدينة “المزمة” (الحسيمة حاليا)، وإنه ينتسب إلى حمير. وهذه الجملة الأخيرة تفيدنا مباشرة أنه كان من بني صالح أمراء مدينة المزمة المذكورة وحاضرة نكور، إذ هم الذين كانوا ينتسبون إلى حمير كما هو معروف في الخبر.
مهما يكن فإن إبراهيم بن صالح كان حسب رواية البادسي من أهل الكرامات، ومعظم الكرامات التي ذكرها الأخير في “المقصد” من نوع قلب طبيعة المواد والتصرف فيها، كما ذكر أن منزله كان مأوى للمؤمنين من الجن يقصدونه للوضوء والصلاة. ولا يذكر البادسي كذلك تاريخ وفاة الرجل ولا يشير إلى مكان دفنه.
وسكن هذه القبيلة في فترة من حياته متصوف أندلسي هو أبو علي الحسن الخراز المالقي ابن أخت المتصوف الكبير أبي العباس أحمد بن عبد الملك التميمي القنجائري المريي (نسبة إلى مدينة المرية)، وكان يعمل خرازا بمالقة ثم ترك بها زوجته وأولاده وخرج سائحا في الثمانين من عمره ونزل ب”رابطة البحر” من مدينة “بادس” ثم شرع يتنقل على ساحل البحر بين بادس وسبتة. ولم يشر البادسي إلى تاريخ وفاته غير أن خاله القنجائري قد عرف عنه أن وفاته كانت عام 627 هـ فيكون الخراز قد توفي في نهاية القرن السابع أو بداية الثامن للهجرة على أبعد تقدير، ونزلت ذرية هذا الرجل بمدشر “القوار” بساحل البحر من القبيلة المتيوية وأبناء عمومتهم بقبيلة بقوية الريفية.
خلال نهاية العصر المريني على ما يبدو ظهرت مدينة صغيرة في ساحل قبيلة متيوة هي مدينة “الجبهة” التي وقد وصفها الوزان في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد، وذكر أنها مدينة صغيرة ليس فيها من البناء ما يستحق الذكر إلا أنها كانت تملك سورا ضخما شديد المناعة، وكان بناء هذا السور بالتأكيد لحمايتها من الخطر الأجنبي.
وكثيرا ما يحضر الغزو البرتغالي في الذاكرة الشفهية لبعض أهل متيوة ولكن هذا الغزو يختلط كثيرا بأسطورة “السوسيين” التي سبق الحديث عنها أكثر من مرة، وعموما فإن المرء حينما يسمع الروايات الشفهية ويقارنها بما يوجد في تراب متيوة من آثار يخلص إلى أن هذه القبيلة قد مسها الغزو البرتغالي في بداية العصر الحديث بل تتحدث الروايات عن كون البرتغاليين استطاعوا احتلال مرسى “تامساسك” وإحراق مدشر “تاكموت” الذي بقي خرابا بعد ذلك زمنا طويلا قبل أن يعاد تعميره، وأن هذا الغزو قد أدى إلى تكون أكثر من رباط للجهاد داخل هذه القبيلة كان يرأس كل رباط منها بعض الصلحاء، وقضية الربط هذه عرف بها ساحل الريف حتى في العصر الوسيط، ولكنها اشتدت على ما يبدو بعد بداية التضييق الإيبيري، ويبدو أن بعض السوسيين فعلا قد جاؤوا فعلا إلى متيوة بغرض الرباط، وأحدهم هو المقبور بجوار مدشر “ووكدة” المسمى “سيدي علي السوسي”، ولعل وليا آخر هو الذي يسمى “سيدي بوقنادل” المدفون بين مدشري “إجواون” و”تارمصت” هو أيضا سوسي. وذهب البعض إلى أن عائلة “أمغوز” أو “مغوز” التي سكنت مدشر “أغرام” (أغرام وجمعها تاغرامت تعني القصر أو القصبة) قد جاءت في مطلع العصر الحديث من ناحية وادي نون بطرف بلاد السوس الأقصى بغرض الجهاد، وقد صارت الآن بعد قرون من أكبر عائلات القبيلة.
ولا ندري هل كانت هذه الرباطات تتعاون فيما بينها أم أن كل واحد منها كان يؤدي عمله مستقلا عن الآخر، ولا زالت آثار مقابر مجهولة برأس مدينة “الجبهة” يتوسطها ضريح رجل مجهول يقال إنه أصله من سبتة يدعى “محمد بن سبع” (وأهل البلاد ينطقونها بالصيغة الدارجة: ابن سباع)، وأخرى بشاطئ مدشر “تاكموت” يحف بها ضريحان أحدهما من جهة الغرب يسمونه “سيدي سليمان”، والآخر من جهة الغرب يدعى “سيدي محمد نوار”. ولعل التضييق الإيبيري على سواحل متيوة كان السبب فيما أشار إليه الوزان من كون أهل الجبهة يعمرون هذه المدينة تارة ويهجرونها تارة أخرى.
![من تاريخ بادية الشمال: متيوة البحرية [3]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/35A307B9-4CD0-4B31-9719-498CFE7F615F.jpeg)