بلال الداهية
يعود الفضل في تحديد تاريخ بناء هذه القلعة إلى الجغرافي الأندلسي أبي عبيد بن عبد العزيز البكري، والذي ذكر أن تشييدها تم على يد إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس عام 317 هـ، وذلك أربعة أعوام فقط بعد هلاك الحسن بن محمد الحجام آخر أمراء الأدارسة في فاس، ونكبة هؤلاء على يد موسى بن أبي العافية المكناسي الذي كان آنذاك يعمل لصالح الروافض العبيديين. ويقال إن ابن أبي العافية أقسم ألا يبقي من الأدارسة أحدا وأن يقتل حتى الصبيان منهم، حتى إنه قبض أربعمئة نفس منهم فألقاهم من جبل شاهق إلى الوادي، وهو الوادي الذي يسمى إلى الآن “وادي الشرفاء” ناحية مدينة بني ملال، وفي هذه الحكاية الكثير من المبالغة.
لجأ من بقي من الأدارسة إلى جبال غمارة، وبالضبط إلى قبيلة سوماتة هذه فارين من معقليهم الرئيسيين: فاس والبصرة، وبنى رئيسهم إبراهيم بن محمد هذه القلعة، وربما حملت اسم “حجر النسر” لكثرة النسور التي كانت تعيش، ولا زال بعضها حسب ما تفيد الروايات الشفهية إلى الآن، بقمة جبل الخلوة. وربما اختار هذا الموضع لعلوه الشاهق ومنعته ولكثرة مائه، إذ تفيض المياه العذبة به من كل جهة.
وكان ابن حوقل النصيبي قد سمى هذه القلعة “مدينة” في كتابه “صورة الأرض”، ولعل في هذا الوصف بعض المبالغة، إلا أنه من المؤكد أن خلقا غفيرا من الادارسة قد اعتصموا فيها بنسائهم وأولادهم، وضرب ابن أبي العافية حصارا شديدا عليهم قاده تابعه أبو قمح، وكان فسطاط المحاصِرين حسب البكري بموضع يدعى “تاورت” ويرى حسن الفيكيكي أنه الموضع المسمى الآن “تاونيت” بمدشر “الصخرة” الكرفطي.
رجع ابن أبي العافية عن حصاره للأدارسة بسبب لوم بعض أصحابه له، وترك أبا قمح فغلبته الأدارسة وفكوا حصاره للقلعة، أما ابن أبي العافية فإنه مال عن طاعة العبيديين إلى طاعة بني أمية في الأندلس، فانتهى به الأمر طريدا شريدا في ناحية وادي ملوية، ويقال إنه توفي به نحو 341 هـ وجيوش الروافض تطارده.
اشتهر من أمراء الأدارسة في حجر النسر ثلاثة: أولهم القاسم كنون شقيق إبراهيم، ثم بعده ولداه أبو العيش بن كنون، ثم الحسن بن كنون آخرهم، وفرض الأدارسة طاعتهم على قبائل غمارة وكتامة، ولكنهم ظلوا متأرجحين بين الولاء لعبيديي إفريقية أو أمويي الأندلس، فأبو العيش بن كنون مثلا كان يميل إلى بني أمية، إلا أن خليفتهم عبد الرحمن الناصر لم يقبل طاعته إلا شرط أن يسلمه طنجة وسبتة، فلما أبى سير إليه عسكرا انتزعوهما منه وحملوه إلى الأندلس حيث توفي بها.
وأما خلفه الحسن بن كنون فكان يميل إلى العبيديين أكثر من بني أمية، ولهذا تكررت الحملات الأموية ضده، وتروي المصادر أنه كان متجبرا شديد سفك الدماء وإنه كان إن ظفر بعدو له ألقاه من أعلى قلعة حجر النسر فتقطعت أوصاله قبل أن يهوي إلى الأرض. وإذا كان قد استطاع الانتصار على محمد بن قاسم بن طملوس الذي أرسله الخليفة الحكم المستنصر من قرطبة، فإنه عجز عن فك حصار القائد غالب الناصري له فاضطر إلى الاستسلام بالأمان، فحمل إلى قرطبة وأقام بها مدة طويلة، واستثقل الحاجب جعفر المصحفي بعد ذلك نفقته – وكان يوصف بالبخل الشديد – فأطلقه، فمضى إلى مصر حيث لقي العزيز بالله العبيدي، وحصل منه على بعض المساعدة، وعاد بها إلى المغرب لينزل قلعة حجر النسر من جديد ويعود أميرا عليها باسم العبيديين، فما كان من الحاجب المنصور بن أبي عامر إلا أن أرسل من قرطبة جيشا يقوده ابن عمه عمرو الملقب ب”عسكلاجة” للقضاء على ابن كنون، فسلم الأخير نفسه مرة أخرى بالأمان، ورافق عسكلاجة إلى الأندلس، وما إن دخلاها حتى أرسل المنصور من قتلهما في الطريق، لأنه رفض أن يعترف بأمان عسكلاجة لابن كنون، وكان ذلك عام 375 هـ، وبه انقطعت إمارة الأدارسة في حجر النسر بالمرة، وتشتتوا في البوادي كما يقول ابن خلدون، وخلعوا شارة الملك وتحولوا إلى خشونة البداوة، وأخفى أكثرهم نسبه خشية الملاحقة.
وكان أحد النازلين الأوائل من الأدارسة في حجر النسر فارا من فاس أحمد بن علي حيدرة بن محمد بن إدريس، وهو الملقب ب”مزوار” وتعني: “النقيب”، واختار الموضع الواقع أسفل القلعة ليكون خلوة له فسمي الجبل كله “جبل الخلوة”، وحينما توفي دفن به وبنيت عليه قبة عظيمة في زمن جد متأخر حيث تؤرخ بعام 1213 هـ/ 1798م ولعلها من بناء السلطان سليمان بن محمد بن عبد الله. وأما نسبتها إلى عبد الرحمن بن هشام فلا تصح لأنها لا توافق التاريخ المذكور. وبسبب هذا الضريح فإن العوام تسمى خرائب القلعة ب”حجر سيدي المزوار”، وكلاهما يطل على مدشر يعرف ب”دار الراطي” وأهل هذل المدشر هم الذين يتولون خدمة الضريح وأكثرهم يحملون الآن نسب “الجميلي”.
وضريح أحمد مزوار يحظى بقداسة كبيرة عند أهل البلاد لأنه الجد الأعلى لكل الأشراف العلميين فإليه ينتهي نسب جدهم الجامع أبي بكر العلمي، وحفيده القطب عبد السلام بن مشيش، وتؤكد الروايات الشفهية أنه أول من سكن الجبال من الأدارسة، وأن إقامته فيه سابقة على بناء قلعة حجر النسر، فلعله نزل به بعد هزيمة الحجام عام 313 هـ قبل بناء القلعة بأربعة أعوام. وهذا يعضده لقب “مزوار” الذي يعني في أصله البربري الحقيقي: “الأول” أو “السباق”.
![من تاريخ بادية الشمال: سوماتة [2]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/461989160_2387006034835057_3767000178642393257_n.jpg)