بلال الداهية
في آخر سلسلة جبال الريف غربا مما يلي بسيط الهبط تقع قبيلة سوماتة، وهي من أصغر القبائل الجبلية مساحة، تحدها غربا قبيلتا بني كرفط وأهل سريف، وجنوبا بنو يسف والأخماس، وشمالا وشرقا قبيلة بني عروس. ولعل هذه القبيلة قديمة الاستقرار في موضعها الحالي، ولا شك أنها نفس القبيلة التي تعرف في القطر الجزائري ب”إيسوماثن”، وهو اسم يحمله أيضا مدشر من قبيلة بني حسان الجبلية مما يلي سوق أربعاء بني حسان.
يذكر ابن حزم في “الجمهرة” ومن بعده ابن خلدون، وهما أفضل من تكلما في أنساب قبائل البربر، أن سوماتة بطن من نفزة، والمعروف أن مواطن نفزة الأولى كانت من ازليتن إلى الخُمس فطرابلس الغرب (وازليتن المذكورة هي من قبائل هوارة لا نفزة)، وفي بعض نواحي بلاد برقة من الأراضي الداخلة حاليا في الجمهورية الليبية. ويضيف ابن خلدون أنه شاهد بقايا سوماتة في البسيط القريب من مدينة القيروان بالقطر التونسي، ولهذا ما يقابله اليوم، إذ لا زالت سوماتة موجودة بقلة في بلاد الجريد جنوب الجمهورية التونسية، وفي ناحية مدينة مليانة وجبال ثرواوة بالقطر الجزائري، فالقبيلة السوماتية الموجودة هنا كما ترى هي امتداد على ما يبدو للقبيلة الأصلية التي كان موطنها الأول بالقطر الطرابلسي. أما اسم إسوماتن فرأيت عند مولييراس أنه يعني “المستند على الجبال” وإن صح ذلك فهو دليل على أن أجداد هذه القبيلة كانوا يقتصرون على سكنى الجبال. وحدثني بعض الأصدقاء أن هذه الكلمة تعني في بعض اللهجات البربرية: “جاور” أو “أقام بجوار”.
مما يثبت قطعا أن سكان هذه القبيلة الأوائل كانوا من البربر كثرة الأسماء ذات الجذر اللغوي البربري في أكثر النواحي، ومنها “أكرسان” و”ألطاين” و”أغليمن” و”أركان” و”تفرنت” و”تَوْلا”… والعامة تلصق هذه الأسماء دائما بأسطورة أهل سوس، ومستندهم اسم “أركان” وهو نبات تختص به بلاد سوس دون سائر الأقطار. وتقابل هذه الأسماء أسماء عربية فصحى ك”العين البيضاء” و”زعرورة” و”خربة الشناتفة”… إلا أنها قليلة مقارنة بالأسماء البربرية.
تزعم الروايات الشفهية أن أقدم سكان هذه القبيلة الباقين هم الذين يعرفون بأولاد “السوماتي” ومقرهم “ألطاين” و”أغليمن”، والمنطق يؤيد ذلك. ويقال إن أهل القبيلة كانت فيهم غلظة وخشونة كبيرة وصبر على الحروب، فكان القتال يتكرر بينهم وبين جيرانهم الجنوبيين من بني يسف والأخماس. ويقال أيضا إن أحد الأولياء المدفونين بأرضهم وهو “سيدي محمد الرواص” جد سكان مدشر “الرواوصة” الذين يدعون الشرف، وقد نوزعوا فيه، يقال: إنه دعا على أهل القبيلة بسبب جسارتهم عليه ألا يكون لهم سوق أسبوعي أبدا. وهم إلى الآن يلجؤون في الغالب إلى سوق خميس بني عروس.
من اللافت أن الوزان ومارمول كاربخال لم يذكرا هذه القبيلة نهائيا في عمليهما، ولعل ذلك راجع إلى صغر حجمها وقلة كثافتها السكانية، وإن كانت المصادر البرتغالية تذكرها مرات ليست بالكثيرة، في بعض الغارات المحدودة على أراضيها. ومما ثبت تاريخيا أن أهل سوماتة كانوا يعبرون البحر نحو الأندلس، حتى إنه قيل: إن سلاطين بني الأحمر في غرناطة كانوا يجندون فرقا خاصة من هذه القبيلة في قتالهم مع مملكتي قشتالة وأراغون.
إن قبيلة سوماتة رغم جذورها التاريخية القديمة التي قدمناها ترتبط مثل جارتها بني عروس ارتباطا وثيقا بالأشراف الأدارسة، إذ تحتضن في ترابها معلمة عظيمة من معالم التاريخ المغربي الوسيط لا أحد يلتفت إليها من قريب أو بعيد، وهي قلعة “حجر النسر” عاصمة الأدارسة الأخيرة بعد جلائهم عن مدينة فاس، والتي لم تبق منها إلا خرائب قليلة يزيد الإهمال والتجاهل التام من خرابها فوق الجبل المدعو “جبل الخلوة”، والبالغ ارتفاعه 782 مترا. ولا بد من الوقوف على بعض تفاصيل بناء هذه القلعة وموضعها.
ولكن قبل الدخول في تفصيل تاريخ هذه القلعة لا بد من أن نشير إلى أن موضعها كان مجال خلاف كبير، إلى أن حسم في نهاية القرن الماضي بفضل جهود الباحثين الأمريكيين الذين حلوا بهذا الموضع عام 1980 ثم الباحثين المنتمين إلى مدرسة “كاسا دي بيلاثكيث” Casa de Velázquez الفرنسية في العاصمة الإسبانية مدريد عام 1993. وقد كانت خرائب القلعة معروفة فعلا وكان عوام سوماتة يسمونها “حجر الشرفاء” أو “حجرة سيدي المزوار” بسبب الضريح الموجود تحتها على ارتفاع يزيد عن الستمئة متر كما يأتي، ولكن أحدا لم يكلف نفسه عناء التساؤل عن تاريخ هذا البناء، بل إن ابن زاكور كان قد ذهب في “الاستشفاء من الألم في التلذذ بذكر صاحب العلم” إلى أن قلعة حجر النسر توجد في قبيلة بني سعيد الجبلية التي على ساحل البحر الأبيض المتوسط بين أمسا ووادي لو. أما مولييراس في “المغرب المجهول” فقد نقل عن أحد الطلبة الجبليين الذين لقيهم أن هذه القلعة موجودة بين بلاد صنهاجة وبلاد تسول والبرانس (بين إقليمي تازة وتاونات حاليا)، وهذا من العجائب. وزعم آخرون أن هذه القلعة بقبيلة بني أحمد الجبلية.
يتبع.
الصورة لخرائب “حجر النسر” فوق ضريح “سيدي مزوار” بأعلى جبل الخلوة وهما مأخوذتان عن تقرير أمريكي يعود إلى عام 2002.

![من تاريخ بادية الشمال: سوماتة [1]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/461989356_2387003578168636_3979206438459948555_n-1.jpg)