بلال الداهية
تقع قبيلة بني مصور في مرتفعات غابوية تحد شرقا بوادي راس وجنوبا ببني يدر وجبل حبيب، وغربا بجبل حبيب أيضا، ومن ناحية الشمال والشمال الغربي تحد بفحص طنجة. ولا تضم هذه القبيلة إلا فرقتين اثنتين: فرقة الحيط الفوقي وفرقة الحيط السفلي، والاسمان يحملان دلالة تضاريسية، فجزء من القبيلة الممتدة بين وادي تاهدارت ورافده الوادي الكبير يقع في منطقة مرتفعة أبرز قممها جبل سيدي داود، والجزء المجاور للفحص والذي يعد مركز “دار الشاوي” عاصمته هو أكثر انخفاضا.
من هو مُصَوَّر – بضم الميم وفتح الصاد وفتح الواو أيضا مع تشديدها – الذي تنسب إليه القبيلة؟ وهل هذه القبيلة من القبائل القديمة أم أنها حديثة العهد بالاستقرار في المنطقة؟
كما قلنا في البداية، لا توجد معطيات تاريخية دقيقة حول بني مصور هؤلاء وتاريخ استقرارهم، بل إنها أكثر قبيلة جبلية مغمورة إلى جانب بني سعيد. كل ما في الأمر أن هذه المنطقة كانت في الغالب مراعي ومزراع لقبيلة “متنة” من قبائل صنهاجة التي عددها البكري في “المسالك والممالك”، وحينما ضعف شأن هذه القبيلة وتراجعت في نهاية العصر الوسيط بقيت هذه المرتفعات فارغة، فنزل بها شخص يعرف ب”أبي مغيث” لم أقف على موطنه الأصلي ولا على أصله ولا نسبه ولا من أين جاء، وهو الذي لقب ب”مصور”.
يزعم العوام أن أبا مغيث هذا الذي لا زال ضريحه قائما وتقام عنده “لمة” سنوية، كان يتعبد بجبال بني مصور في القرن الثامن للهجرة/ الرابع عشر للميلاد، وأنه أنجب أولادا كان يكثر من مخاطبتهم قائلا ما معناه: “تصوروا يا أولادي كم سيعمر أولادكم هذه الجبال وأين ستمتد ذريتهم؟” فلقب لأجل ذلك ب”مصور”.
لم تصبح قبيلة بني مصور قبيلة بالمعنى المحلي للكلمة (الذي يختلف كثيرا عن مفهوم القبيلة في أصله العربي) إلا حينما وقع حدثان مهمان جدا: أولهما سقوط طنجة في يد البرتغاليين عام 876 هـ/1471م، وهجرة سكانها الذين ذكر ليون الإفريقي أنهم اختاروا النزول بجبل حبيب، وأعتقد شخصيا أنهم نزلوا كذلك بجارتها بني مصور، وهي بعد أقرب إلى طنجة وفي نفس الوقت هي طريق المسافر بينها وبين جبل حبيب، والدليل أن أولاد “أطنجي” إلى الآن بمدشر “اخميسة” من فرقة الحيط الفوقي المصورية.
أما الحدث الثاني فهو سقوط الأندلس وتتابع موجات هجرة سكانها نحو عدوة المغرب، وكان لبني مصور نصيب كبير من هذه الهجرة، ولقب “الأندلسي” (ويكتب في الكثير من الأحيان بصيغة “الأندلوسي”) يوجد بكثرة في فرقة الحيط الفوقي، وخصوصا بمدشر “المواوجة”، إلى جانب وجوده في الجارتين بني يدر بمدشر “القرين”، وجبل حبيب ب”قلعة الخروب”.
بقيت قبيلة بني مصور بمعزل عن الاحتلال البرتغالي من جهتي سبتة وطنجة إذ الجبال الشاهقة تمنعها من تلك النواحي، إلا أنها تبادلت الهجوم مرارا مع برتغاليي أصيلا، وتواتر ذكرها عند برناردو رودريكيس في “حوليات أصيلا”، وعند “دامياو دي غوييش” Damiao de Gois رفيق الفيلسوف الهولندي الشهير “ديديي إيراسموس” Didier Erasmus في تاريخه للأمير جواو الثاني Joao II، وعند فرناندو دي مينيزيش Fernando de Meneses في تاريخه لطنجة. والقاسم المشترك بين كل هذه الروايات أن قبيلة بني مصور كانت معقلا كبيرا للجهاد ضد البرتغاليين.
إن الرواية الشفهية تعضد كليا هذه المعطيات التاريخية القليلة، وتؤكد أن قبيلة بني مصور عرفت هجرة ضخمة قادمة من القبائل العربية القاطنة بالسهول الأطلنتية، وخصوصا من أعراب الشاوية وهم من سويد من بني مالك بن زغبة بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال بن عامر بن صعصعة. وعرب الخلط بناحية القصر الكبير وهم بنو المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن عامر بن صعصعة. وبني رياح بن أبي ربيعة بن نهيك بن هلال وهم المعروفون الآن ب”اعمار د الفحص”. وإلى جانبهم قبائل “شراكة” و”أولاد مصباح” و”البرانس” شمال فاس. وتزعم الرواية الشفهية أن هؤلاء المجاهدين جميعا كان قد تولى جمعهم الولي الصالح امحمد بن موسى الشاوي الهلالي الزغبي الذي كان مقيما ببلاد فشتالة شمال فاس، والذي يعرف ب”مولاي بوشتى الخمار”، وبنى لهم رباطا بمدشر “الشرف” الفحصي خارج طنجة بقصد حصار المدينة المحتلة، وإن أحد مقدمي الجهاد هؤلاء المنتمي إلى أعراب الشاوية ابتعد جنوبا قصد تنظيم قواته أكثر للهجوم على طنجة، فنزل بالموضع الذي سيحمل منذ ذلك الحين اسم “دار الشاوي” نسبة إليه.
إن هذا المعطى هو الذي يفسر طوبونيميا فرقة “الحيط السفلي” المكونة إلى جانب قرية “دار الشاوي” العملاقة من قرية “الروييف” تصغير “الريف” التي قطنها مجاهدون ريفيون، وكذلك “اشراكة” و”دار اللماعي” وهو مدشر كبير جدا يقال إن سكانه الأوائل كانوا من عرب الخلط، وكذا مدشر “القلعة” الذي يحمل اسما له دلالة جهادية…
![من تاريخ بادية الشمال: بنو مصور [1]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/images-3.jpeg)