بلال الداهية
في نهاية العهد الوطاسي وبداية العهد السعدي طرأت تغييرات مهمة على قبيلة بني عروس، أولها وأهمها تأسيس الزاوية الريسونية في مدشر “تازروت”، وكان هذا المدشر كما قلنا مقرا لذرية يونس بن أبي بكر العلمي، وكانوا قديما يعرفون بلقب “الشريف” خالصا، ثم طرأ عليهم لقب “ابن ريسون” نسبة إلى السيدة ريسون جدة مؤسس الزاوية التي تربى في حجرها.
إن أول من عرف من هذه العائلة هو الولي الصالح عبد الواحد بن ريسون من أهل القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد، الذي ذكره ابن عسكر في “دوحة الناشر” وقال إنه كان منقطعا للعبادة لا يبرح خلوته. وأخوه علي بن ريسون الذي كان تاجرا وحمل السلاح ضد البرتغاليين في معارك أصيلا في إمارة ابن راشد صاحب الشاون، وأسره البرتغاليون سنة 1512م ثم افتدي، وبعد أن توفي أخوه عبد الواحد مال إلى ما كان عليه الأخير من العزلة والانقطاع للعبادة والزهد، وكان لهما معا الفضل في رسوخ طريقة الإمام أبي الحسن الشاذلي في جبل العلم.
وقام ابنه امحمد بن علي بن ريسون ببناء زاوية ب”تازروت” عام 975 هـ/ 1568م لنشر الطريقة الشاذلية بإيعاز من شيخه الأمغاري، وكانت هذه الزاوية إلى جانب الأوراد والأذكار والصلوات التي تقام بها رباطا للمجاهدين يتدربون فيه على حمل السلاح. ولما كان السلطان السعدي عبد الله الغالب قد استأصل إمارة الرواشد في الشاون، فإن معظم الذين كانوا يحملون السلاح فيها انتقلوا إلى طاعة الشيخ ابن ريسون، وحينما هلك الغالب ودخل ابن أخيه عبد الملك المعتصم إلى فاس مع عسكر الانكشارية الذين جاء بهم من الجزائر، وفر محمد المتوكل بن عبد الله الغالب إلى البرتغال. كان ابن ريسون من أنصار السلطان الجديد عبد الملك المعتصم، فكان من الأخير أن أسند إليه إمارة قبائل الهبط وغمارة وصنهاجة، لما وجد قبائل أهل سريف ورهونة والأخماس وبعض أهل الشاون قد مالوا إلى المتوكل، وأرسل في محرم 986 هـ/ 1578م قائده الكبير جؤذر باشا إلى “تازروت” للنظر في أحوال الرباط ووضع الخطط للتصدي للمتوكل الذي كان قد جاء ومعه ملك البرتغال سيباستيان بنفسه.
وكان عدد المقاتلين الذين تمكن ابن ريسون من جمعهم نحو ستمئة من الفرسان جلهم من أشراف بني عروس أو من أعراب الخلط، ومعهم ألفان من المشاة من قبائل كثيرة جبلية وأعرابية وغمارية، وكانت الخطة أن يستدرج ابن ريسون وأصحابه جيوش ملك البرتغال إلى ناحية وادي المخازن من بلاد الهبط بعد أن اكتمل نزول القوات البرتغالية في أصيلا. ونجحت هذه الخطة، إذ تحرك البرتغاليون من أصيلا لمطاردة قوات ابن ريسون فما كان من الأخير إلا أن انسحب إلى معسكر القصر الكبير ليلتحق بقوات السلطان، وفي اليوم التالي اشتبك القتال بين الطرفين في وادي المخازن وانتهى كما هو معلوم بانكسار البرتغاليين وهلاك ملكهم ومعه محمد المتوكل وعبد الملك المعتصم نفسه، وبيعة شقيق الأخير أحمد المنصور سلطانا على المغرب.
يعتبر إدوارد ميشو بيلير وقعة وادي المخازن علامة حاسمة في تاريخ أشراف بني عروس، إذ أعطتهم الفرصة للظهور والإعلان عن أنفسهم، وانتزاع احترام وتوقير سلاطين المغرب لهم منذ حينها، وفي هذا الكلام الكثير من الصحة إذ سيصبح إحصاء هؤلاء الأشراف وتمييز صحيح النسب من مدعيه بينهم أمرا متكررا طيلة العهد السعدي وفي العهد العلوي بأكمله إلى بداية القرن التاسع عشر الميلادي. ولمع نجم بني ريسون أكثر من سائر عائلات هؤلاء الأشراف، وإذا كانت نقابتهم قد بقيت في معظم الأحيان في يد بني عبد الوهاب لأنهم الأكثر دقة وصراحة في أنسابهم، فإن بني ريسون حصلوا مكانة سياسية أرفع، وساعدهم في ذلك كثرة هجرات الوهابيين في فترة مبكرة خصوصا إلى مدينة تطوان وجبل حبيب. فلم يكد السلطان أحمد المنصور يرتاح في عرش السلطنة حتى استغل اعتداء عرب الخلط على جيرانهم أولاد مطاع لينتزع منهم الأرض التي وقعت فيها معركة وادي المخازن، رغم أنها واقعة في تراب قبيلة الخلط، ويمنحها إقطاعا للزاوية الريسونية مكافأة لها على جهودها في المعركة السابقة الذكر.
واستمرت الزاوية الريسونية تنعم منذ حينها بإقطاعات وهبات وامتيازات السلاطين المغاربة، وبقيت أحد أهم المراكز الدينية في الناحية الشمالية من المغرب كله، إلى أن قدر أن يتولاها القائد أحمد الريسوني في أول القرن العشرين وبداية فترة الحماية الإسبانية، فكان من أمره ما هو مشهور، وليس هذا بموضع تفصيله.
يتبع
الصورة لمدخل الزاوية الريسونية في ماي 2014.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو عروس [9]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/462265163_2388727237996270_4879563837477473947_n.jpg)