بلال الداهية
لم تأخذ أي من قبائل جبالة شهرة قبيلة بني عروس على مر العصور، والسبب في ذلك أنها مرقد عبد السلام بن مشيش “شيخ جبالة” وأشهر أوليائهم، وموطن الأشراف العلميين ومنبتهم الذي تفرقوا منه في كل ناحية. ثم إن الموقع الجغرافي لهذه القبيلة متميز، فأراضيها شديدة الخصوبة، كثيرة المياه، غنية بالغابات. وهي فوق ذلك شاسعة المساحة تتوسط أكبر عدد ممكن من القبائل، من بني حزمار وبني ليث ناحية الشرق، يجمعها مع الأخيرة جبل أبي هاشم، إلى أعراب سهول الهبط ناحية الغرب، كما يمكن من بعض مداشرها الإشراف من بعيد على العرائش والمحيط الأطلنتي، أو من جهة أخرى النظر من بعيد أيضا إلى حوض الشاون.
إن ناحية بني عروس قديمة الاستيطان البشري، وإن شئنا المبالغة قليلا فإنه بإمكاننا القول إنها إحدى أكثر بوادي الشمال احتواء على الخرائب القديمة وبقايا المنازل المخربة على اختلاف عصور بنائها، بعضها يعود إلى العصور الوسطى، وبالضبط إلى نهايتها، والبعض الآخر إلى فترات تاريخية قريبة جدا من زماننا.
تتكون قبيلة بني عروس من ستة فرق: أبياط والمداشر ووراء الظهر ويركود وبني ومراس والعزابة. ويلاحظ أن التجمعات السكانية التي تشير المصادر والوثائق والرسوم القديمة إلى أنها الأقدم تعميرا توجد في الفرق الأربعة الأولى إلا في النادر. أما فرقة بني وامراس فالظاهر أنها كانت قبيلة مستقلة كما يبدو واضحا من خلال المصادر البرتغالية العائدة إلى مطلع العصر الحديث، ثم اندمجت في بني عروس ربما بسبب الخراب الذي طالها. والذي يفهم من المصادر البرتغالية أن بني وامراس أقرب إلى سكان جبل حبيب، ولا ندري هل كانوا من غمارة أم صنهاجة أم كتامة وهي الشعوب البربرية الثلاثة التي كانت منتشرة في الناحية خلال العصر الوسيط.
وأما فرقة العزابة، فاسمها جمع “عَزّاب”، وهو الفلاح الذي يقطن “العزيب” أي الإقطاع الذي يمنحه السلطان لطائفة من طوائف الأشراف، فيشتغل به في خدمة ذلك الشريف. وعادة ما يكون “العزاب” آفاقيا ليس من سكان القبيلة التي يوجد بأرضها الإقطاع. و”عزابة” بني عروس طائفة حديثة العهد بالاستقرار في القبيلة، وأصل جلها من قبائل العرب التي استوطنت البسيط الذي يسمى الآن ب”جماعة عياشة” والذي يفهم من بعض القرائن أن هؤلاء الأعراب من بني رياح بن أبي ربيعة وهو البطن الأكبر من عرب بني هلال، ومعهم بعض أعراب الخلط وطليق والشاوية، وإليهم تنسب مداشر “السلاطنة” و”البراهمة” و”الجهيمات” و”القصيبات” و”أولاد عبد الصمد” و”أولاد مسعود” و”خيام زيدون” و”أولاد أبي جمعة” و”أولاد الشاوي”…
من هو عروس الذي تنسب إليه هذه القبيلة؟
إن “عروسا” ليس اسم عَلَم، بل هو لقب أطلق على شخص ما لأمر يتعلق بحفل زفاف أو زواج. وإن القصة التي تروى عن سبب هذا اللقب وأصله لها نظائر وأشباه في التاريخ المغربي، مع بعض الاختلاف طبعا. وترتبط هذه القصة بأول الأدارسة الهاربين من نكبتهم في العاصمة فاس وهو الولي المعروف “أحمد مزوار” دفين الضريح الواقع أسفل خرائب قلعة حجر النسر آخر معاقل إمارة الأدارسة في المغرب في قبيلة سوماتة، والذي سبق لنا الحديث عنه.
تقول الرواية المتواترة منذ قرون إن ثمانية عشائر هم السكان الأقدمون للناحية التي ستعرف لاحقا ببني عروس صعدوا الجبل إلى قلعة حجر النسر وزاروا الولي أحمد مزوار بن علي بن محمد بن إدريس، وطلبوا منه أن يسكن أحد أولاده بينهم محبة في آل البيت ورغبة في التقرب إلى الله بالإحسان إليهم، فاختار ابنه “سلاما” وأرسله معهم، وقال لهم: “قد أعطيتكم ابني عروسا”، لأنه كان حديث عهد بالزواج أياما فقط قبل إرساله معهم. فرحل سلام بن مزوار مع هذه العشائر الثمانية إلى مواطنهم وسكن في جوارهم وانتشرت بعد ذلك ذريته بينهم حتى غلبت على السكان الأصليين، كما نرى لاحقا، وأطلق عليهم لفظ “بني عروس” نسبة إليه. وهو لفظ محدث لم يكن يستعمل في العصور الأولى بعد سلام المذكور، بل إن أول المصادر التاريخية التي ورد فيها اسم “بني عروس” بصيغته الحالية هي المصادر البرتغالية في مطلع العصر الحديث، وإلى جانبها كل من الحسن الوزان في “وصف إفريقيا” ثم لويس ديل مارمول كاربخال الذي نقل أكثر مواده عن الوزان.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو عروس [1]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/images-6.jpeg)