بلال الداهية
ولا يرد أي ذكر لبني معدان في مصادر العصر الوسيط، وإن ذكرت “أزلا” في نزهة المشتاق للإدريسي – على الأرجح – تحت اسم “مرسى إنزلان”، ولم يظهر اسم بني معدان إلا مع الغزو البرتغالي الذين وصفوا أهلها ب”القراصنة”، وكان هذا الوصف سببا في تعرض هذه الفرقة إلى غزو عنيف. ولعل جوار بني معدان لبني سعيد على ساحل البحر يرجح أنهم من غمارة، وقد حاولنا في كتاب “تطوان وباديتها” تقديم فرضية جديدة بخصوص اسم “بني معدان” وإن كان الدليل يعوزنا.
أما فرقة “بني راتن” فقد ورد اسمها في مصادر العصر الوسييط منذ عهد البكري بصيغة “بني يروثن” ووصفت ديارهم بأنها متاخمة لبني سعيد وأنهم من غمارة، وقد وقفت على رسوم قديمة تثبت أن هذه الفرقة كانت تعرف إلى غاية السنوات الأخيرة قبل دخول الحماية الإسبانية ب”بني يراثن” بالياء مما يزيد من ترجيح أنهم نفس “بني يروثن” الغماريين.
إن العناصر البشرية الأصلية في بني حزمار إذن هي خليط من صنهاجة وغمارة، ولكن القبيلة مع مطلع العصر الحديث وإلى حدود فترة الحماية الإسبانية انفتحت على الكثير من الهجرات من القبائل الجبلية المجاورة ومن الريف والأندلس وسبتة وحتى من الجزائر العثمانية.
تتميز الكثير من قرى بني حزمار بقدم التعمير الذي يعود في الكثير من الأحيان إلى العصور القديمة، إلا أن الكثير من المداشر لم تتأسس إلا في فترات متأخرة، وإذا كانت الروايات الشفهية تشير إلى أن “بوسملال” كان يعرف استيطانا بشريا منذ نهاية العصر الوسيط، وترجمة أحمد الشاعر تؤكد أن مدشر “بوخلاد” كان موجودا وآهلا بالسكان في مطلع العصر الحديث، فإن مدشر “دار ابن قريش” مثلا لم يتأسس إلا في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد حينما قدمت هذه الأسرة من بلاد الساقية الحمراء ليحمل اسمها، ونفس الأمر ينسحب على مدشر “دار أسنوس” حيث توحي شجرة نسب هذه العائلة بأن جدها الأعلى – حسابيا – حل بالمدشر المذكور في القرن الحادي عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد.
وحتى مدشر “كيتان” الذي توجد به مخلفات بشرية تعود إلى العهد الموري، فإنه في مطلع العصر الحديث كان يستغل في الفلاحة فقط، وإن أول من عمره من سكانه الحاليين كما تجزم الرواية الشفهية هم أولاد “الكتاني” الذين يبدو أنهم نسبوا إلى هذا الموضع وإن كانوا يدعون الانتساب إلى الشرفاء الكتانيين الفاسيين، إذ لم نقف في قريب أو بعيد على اسم أي كتاني خرج من فاس ونزل بنواحي تطوان.
وكان مدشر “بني صالح” كذلك آهلا بالسكان حينما تجدد بناء مدينة تطوان، ودشن هذا المدشر قرونا من الصراع بين المدينة وبين جيرانها الحزمريين، إذ كان بنو صالح أشد المعارضين لبناء تطوان، وبقي الصراع جليا بين الطرفين إلى حدود فترة الحماية، خاصة بسبب تداخل المجال الفلاحي بينهما.
إن اسم هذا المدشر يحيلنا على وجود جد أعلى اسمه “صالح”، ويوجد فعلا في مقابر المدشر ضريح غير مبني محاط بالحجارة يدعى “سيدي صالح”، إلا أنه لا أثر ولا خبر عن سيرة هذا الرجل سوى الأساطير التي يروج لها البعض عن وجود كنوز دفنها السوسيون أثناء رحيلهم عن المنطقة واختاروا أن يبنوا عليها قبورا ويعطوها أسماء أولياء حتى لا يجرؤ أحد على نبشها والبحث عن تلك الكنوز.
وتكثر الأضرحة المجهولة من هذا النوع في بني حزمار كما في باقي قبائل جبالة، وكلها تحوم حولها الشكوك وتلصق دائما بأسطورة السوسيين كما هو حال الولي المدفون برأس الجبل المطل على العين الزرقاء الذي حمل اسمه (جبل سيدي تميم) والذي لا زال سكان المداشر القريبة يزورونه.
ولكن قبيلة بني حزمار تضم في المقابل أضرحة لأولياء معروفين وبعضهم ترجم له في المصادر كضريح “علي الريقي الوفائي” بمسجد مدشر “كيتان” وهو من أقدم أولياء القبيلة إلى جانب أحمد الشاعر دفين “بوخلاد” المذكور سابقا، وكانت ذرية الأول تحمل لقب “ابن كيكي”، بينما حافظت ذرية الثاني على لقب جدها “الشاعر”. ونفس الأمر ينسحب على ضريح “عبد السلام البقالي” الملقب ب”كحل العيون” بشاطئ البحر المعروف ب”سيدي عبد السلام د البحر”، وكانت خلوته تعرف ب”الديزة” حيث بني مؤخرا الحي العشوائي الذي ألحق بمدينة مرتين…
ومن شاء الاطلاع على تفاصيل أكثر فليراجع كتابنا “تطوان وباديتها”.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو حزمار [2]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/بريس-تطوان-20.jpg)