بلال الداهية
سيكون حديثنا عن هذه القبيلة مختصرا جدا إذ فصلنا فيه في كتابنا “تطوان وباديتها”.
ورد اسم بني حزمار بهذه الصيغة لأول مرة عند الجغرافي الأندلسي البكري خلال القرن الخامس للهجرة، واعتبر “حزمار” الجد الأعلى ابنا ل”صنهاج” جد شعب صنهاجة، وهو أحد شعوب البربر البرانس الكبرى في شمال إفريقيا، أما مواطنهم فحددت في أحواز مدينة طنجة، وهو ما لا يتفق مع موضعها الحالي.
والشاهد الثاني على أن مواطن بني حزمار كانت بجوار طنجة هي المصادر البرتغالية التي تحدد مضاربهم بين وادي مغوغة غربا ووادي إليان شرقا، في أرض قبيلتي أنجرة والفحص الحاليتين، ولعل الغزو البرتغالي كان سببا في نزوح بني حزمار من مواطنهم تلك عقب سقوط سبتة، ولجوئهم إلى الاعتصام بالشواهق الواقعة جنوب مدينة تطوان، التي تبدأ من الضفة اليمنى للوادي وتنتهي بقمم جبال بوزيتون والبرجة الكبيرة وغرغيز والحافة الحمراء وكدية الطاهر إلى أن تتاخم جنوبا جبال بني حسان، ويفصلها وادي “المحجرات” أحد روافد وادي مرتين عن تراب قبيلة بني يدر على يمين المسافر حاليا من تطوان في اتجاه الشاون.
لقد ناقشنا قضية أصول بني حزمار ومسألة نزوحهم من فحص طنجة إلى أحواز تطوان في كتابنا “تطوان وباديتها”، واستنتجنا من خلال ما لدينا من مادة شحيحة أن قبيلة بني حزمار الحالية المكونة من خمسة فرق هي في الحقيقة تجمع لعدة قبائل بربرية قديمة.
تتكون قبيلة بني حزمار من خمسة فرق: أولها فرقة الواديين التي عرفت بهذا الاسم لإشرافها على وادي المحجرات، وتعتبر قرية “دار ابن قريش” عاصمة هذه الفرقة إلى جانب قرى أخرى ك”دار الخياط” و”دار أسنوس” و”بوخلاد”، وقريتي “بوسملال” و”دار الزكيك” المواجهتين مباشرة لمدينة تطوان، والواقعتين فوق خرائب “تمودة” تلك المدينة الأثرية المورية التي تحولت إلى حصن روماني لم تبق منه إلا الأطلال.
أما الفرقة الثانية فتمتد جنوبا في اتجاه بني حسان وتعرف بفرقة “أمطيل” إذ تعد هذه القرية مركزها، وذلك قبل أن يكون مركز “الزينات” الحالي شيئا مذكورا.
والفرقة الثالثة تتاخم بني يدر وبني ليث، بل كانت تجاور حدود بني عروس في التقسيمات القبلية القديمة، وهي فرقة “بني راثن” التي تتجمع قراها حول الموضع المسمى “النخلة” الذي حدثت فيه معركة كبيرة في أواخر القرن الثامن عشر للميلاد بين أهل تطوان وحلف من قبائل جبالة، وبني فيه في العقود الأخيرة سد صغير يجلب منه الماء إلى تطوان عرف ب”سد النخلة”.
وفوق الجبل الذي يبدو لأهل تطوان شبيها بخريطة المغرب، السمى جبل “بوزيتون”، وكذلك في سفحه وفي أسفله تمتد فرقة “الجبل” التي تضم بعض أقدم المداشر في القبيلة ك”بني صالح” و”كيتان” و”يرغيث” حيث العين الزرقاء إحدى أجود عيون الماء في الناحية كلها.
أما لناحية البحر، حيث تتراجع الارتفاعات الشاهقة، ويميل الشكل التضاريسي إلى التل بدل الجبل تمتد الفرقة الخامسة والأخيرة على طول الضفة اليمنى لوادي مرتين القريبة من مصبه وتسمى فرقة “بني معدان” التي يعتبر مدشر “المعاصم” أكبر مداشرها، وشاطئ “أزلا” قاعدتها الأهم.
وإذا كان بنو حزمار الذين اجتمعت كل هذه الفرق تحت اسمهم قد أتوا من فحص طنجة، فإن مواطن القبيلة الحالية كانت تعرف في العصر الوسيط ومطلع العصر الحديث على حد سواء ب”بني يجم” بتشديد الجيم التي تنطق معقودة (بني إييكم) وقد اعتبرت المصادر البرتغالية بني يجم من غمارة، ومثل هذا يستفاد كذلك من نص أورده البيذق في أخبار المهدي حينما ذكرهم مع جيرانهم بني سعيد، والمعروف أن بني سعيد من غمارة.
وحتى في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد، حينما ترجم ابن عسكر الشفشاوني للشيخ أحمد الشاعر دفين حومة “النجارين” من قرية “بوخلاد” الحزمرية، وصفه ب”اليجمي”، وذكر أنه كان ينتقل كل أسبوع إلى تطوان مشيا ليصلي الجمعة بها ثم يعود إلى قريته.
يتبع
صورة بانورامية لتطوان ومدشر كيتان من طريق العين الزرقاء قبل عام من الآن.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو حزمار [1]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/462227562_2388862981316029_3076290636643451482_n-1024x718.jpg)