بلال الداهية
هل عرفت قبيلة بني جميل وجود رابطة دينية في نهاية العصر الموحدي وبداية المريني؟
إن الذي دفعنا إلى طرح هذا السؤال هو وجود ضريحين اثنين غير بعيدين كثيرا عن ضريح الحاج سعيد، أحدهما في مدشر “أزغار” – الذي تنحدر منه عائلتنا – يسمونه “سيدي علي أبو النور”، والآخر بمدشر “تلولي” يسمونه “سيدي عبد الله”. وما سمعناه من أجدادنا أن الرجلين معا شقيقان للحاج سعيد، وكلاهما استوطن موضعا يظهر منه ميناء “تاغزوت” من بعيد، فكأنهما كانا يحرسان الشاطئ الذي به منزل وقبر أخيهما من فوق. وما يزيد التساؤل أهمية أن عائلتنا التي استوطنت مدشر “أزغار” موضع دفن “علي أبي النور” عائلة طارئة قد نزل جدها بالمدشر المذكور لأول مرة في نهاية القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد، أو ربما في بداية القرن الذي يليه قادمة من بقوية حيث كانت تنزل قبل مئة سنة أو يزيد قليلا قادمة من الديار المصرية. والذي سمعناه من أجدادنا أن الموضع المذكور حينما نزل به موسى بن المفضل – جدنا – لم يكن به أحد من الناس وكان الضريح المذكور موجودا تحيط به مقابر كعدد الرمال، لدرجة أن الناس إلى زمن قريب كانت تحرث الأرض أو تحفرها لغرض ما فتنكشف لها الكثير من العظام والجماجم، وهو ما يوحي بأن ضريح أبي النور هذا كان محاطا برباط عظيم إما للتعليم الديني أو للجهاد في فترة الغزو الإيبيري، أو للغرضين معا، قبل أن يهلك أهله، كما يبدو من خلال الجثث وبقايا العظام التي لم تدفن دفنا شرعيا، دفعة واحدة إما بسبب حرب أو طاعون ضرب تلك الناحية، ونفس الأمر ينسحب على ضريح مدشر “تلولي” فإنه محاط بمقابر قديمة جدا، بينما سكانه المقيمون فيه حاليا قوم طارئون. وعموما فإن أرض بني جميل من أكثر الأراضي التي تمتلئ بالخرائب والأطلال والمقابر الجماعية.
من جملة المداشر التي يبدو أنها قديمة التعمير مدشر “إبطوين”، فقد أشار البادسي إلى محمد بن دوناس البطوئي المنتسب إلى قبيلة بطوية (تمسامان حاليا) والذي كان من تلاميذ الشيخ أبي داود مزاحم أشهر متصوفة قبيلة تمسامان على الإطلاق، وقد عرف ابن دوناس بالزهد وأنه ساح في البلاد وغاب في جهة بادس حتى أدركته الوفاة بجبالها فحمله بعض الناس ودفنوه في “خربة” من جبال بني جميل، ولم يعرفه أحد منهم حتى رآه أحد الصالحين من أبناء هذه القبيلة في المنام – على رواية البادسي – فاشتهر أمره. ومحمد بن دوناس هذا هو جد سكان مدشر “إبطوين”، فأنت ترى أن استقرارهم في هذه الناحية قديم يعود إلى العصر المريني وأكثر أهل المدشر تغلب عليهم ألقاب: “أبطوي” و”بلحاج” و”أولاد الحاج” و”المقدم” و”أبو علال” وغيرها.
في سنة 685 هـ في بداية العهد المريني ظهر في بني جميل رجل يدعى العباس بن صالح زعم لقومه أنه المهدي والظاهر أنه بث دعوته سرا فقبلها منه خلق كثير واتبعوه، فأعلن خروجه في يوم عاشوراء عام 686 هـ وهاجم مع أنصاره مدينة بادس فملكها وقتل بها خلقا كثيرا وسبى وخرب، ثم زحف بأصحابه على مدينة المزمة فقتل بها يوم عشرين من شهر صفر وعلقت جثته على باب المزمة، ثم أمر السلطان أبو يعقوب يوسف بأن يطاف برأسه أرض المغرب كلها قبل أن يعلق على باب من أبواب مراكش. وقد ذكر ابن خلدون خبر هذه الثورة إلا أنه لم يسم موضعها سوى ما كان من قوله إنها حدثت بجبال غمارة.
وهذه الحادثة لها دلالة تفيد انتشار بقايا الفكر الشيعي في بعض المناطق من شمال المغرب، وخصوصا لدى الصنهاجيين وأهل كتامة وهم الذين كانوا أنصار الدعوة الفاطمية، وما قيام الرجل يوم عاشوراء بالضبط إلا دليل على وجود هذه الرواسب في القرن السابع للهجرة.
يعتقد Francisco Feliu De La Peña أن منطقة بني جميل هذه هي إحدى أكثر المناطق التي نزلت بها الجاليات الأندلسية منذ العصر الوسيط، والحق أن الساحل البادسي كله الذي يضم قبائل بني جميل وبني بوفراح وبني يطفت وبقوية كان من أشد مناطق الشمال المغربي انفتاحا على العالم الخارجي بما فيه الأندلس التي ارتبطت فيها مدينة مالقة بمدينة بادس ارتباطا شديدا، حتى صارت كل واحدة منهما توأم الأخرى وظهرت بادس المالقية Velez مقابل الحجر الذي يحتله الإسبان إلى حد الآن قبالة مصب وادي بادس والذي يسمونه “صخرة بادس الغمارية” Peñon de Velez de la Gomera.
كانت عشيرة “بني أشبون” قد حلت بتراب هذه القبيلة إثر سقوط أشبونة في نهاية العهد الموحدي، إلا أن أثر هذه الهجرة قليل الآن إذ أن هذه الفرقة قد عمرتها هجرات جديدة قادمة من الريف في القرون الأخيرة ولم يبق مما يوحي بها سوى القليل مع تطاول الزمان.
يؤكد أحد الرسوم القديمة أن مدشر “تدارت” كان أكبر موضع لنزول الأندلسيين الأواخر منذ سقوط مدينة مالقة عام 1487 وإلى حدود خروج الأندلسيين النهائي منذ عام 1609. إلا أن قسما من هؤلاء النازحين غادر إلى قبيلة بني بوفراح، بينما نزل قسم من أهل مالقة بحجر بادس إلى أن احتله الإسبان عام 1564، فغادره بعضهم ونزل بساحل بقوية ثم غادرها صوب “تدارت” ولعل منهم حاملي ألقاب “الخياطي” و”العزمي” و”شموط”… وسكنت نفس المدشر ومعه مدشر “إبرهونن” عائلة “برهون” الأندلسية التي جاءت من غمارة، ومن بادس أيضا جاءت أسرة أندلسية شهيرة هي أسرة “أعراص” التي عرف موضع سكناها ب”إعراصن”. والراجح أن أولاد “البشري” في مدشر “أعيرم” أندلسيون، وأن إحدى أكبر عائلات القبيلة وهي عائلة “الكواع” أيضا أندلسية الأصل وهي منتشرة في مداشر “تازايرت” القريب من البحر من فرقة مسطاسة، ومداشر فرقة “الثلث الأوسط” من “كلث” إلى “”اغنزكرت” ثم “تازار”. وكان من الطبيعي أن تحتضن فرقة “مسطاسة” المطلة على البحر أكبر عدد من الأندلسيين، ومنهم أسرة “شقرون” القادمة من مالقة، وعلى الأرجح عائلة “البغلولي” في “مسطاسة” المركز، وممن يحمل لقبا أعجميا أسرة “بويا” أيضا في مسطاسة.
إن مولييراس نفسه أشار خلال نهاية القرن التاسع عشر إلى أن كل قبائل الريف تعتبر سكان بني جميل وبني بوفراح من سلالة الأندلسيين، ويرى أن هذا الانتماء هو سبب غلبة الدارجة العربية على القبيلتين. ومن بين ما يسجله أن الهجرة الأندلسية لم تقتصر على المسلمين فقط بل ضمت جاليات يهودية أيضا، وقد ذكر أنه في نهاية القرن التاسع عشر كانت بمدشر “مسطاسة المركز” (الذي يسميه مدينة ويعتبره أكبر من مدينة مستغانم الجزائرية) جالية يهودية مهمة، وأنها لم تكن تعيش في حي معزول أو خاص كما هو الحال في المدن، بل كانت منازل اليهود مختلطة بمنازل المسلمين، إلا أن اليهودي لم يكن له حق التملك نهائيا وكان يعيش ما يشبه “التبعية” للمسلمين. ولم يعد لهذا الوجود اليهودي في مسطاسة أي أثر الآن.
يتبع
صورة لضريح “علي أبي النور” والمسجد المهجور بجواره، وأمامه قرية “أزغار” في سبتمبر 2015.
![من تاريخ بادية الشمال: بنو جميل [3]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/37383498_796557040546639_2118741997438107648_n-1024x614.jpg)