بلال الداهية
فمن بين المتصوفة والزهاد الكبار الذين نزلوا بأرض بني زيات نجد عبد الرحمن بن حسن الزيات المدني، الذي تؤكد نصوص المناقب أنه كان شيخا لعبد السلام بن مشيش، وأصله من حارة الزياتين بالمدينة المنورة، وضريحه معروف الآن بقرية “ترغة” ويزعم البعض أن عائلة “أزيات” الموجودة في القبيلة تنحدر منه، ولا دليل على ذلك. ومنهم أيضا أبو العباس أحمد الغزال الأندلسي الذي يرجح أنه حل بالمنطقة في نهاية العهد الموحدي وأسس زاوية ب”ترغة” أيضا، أصبح المريدون يتوافدون عليها بكثرة حتى نشأ حولها قسم من القرية يعرف ب”ترغة الزاوية”، ورغم أنه لا دليل على أن الغزال عاش في العصر الموحدي، فإن النص الملحق ب”نبذة العصر” الذي يتحدث عن نزول بعض الأندلسيين في غمارة يقول إنهم نزلوا بزاوية أحمد الغزال المذكورة، فهذا يثبت أنها عند سقوط غرناطة كانت مبنية فيكون الغزال قطعا قد عاش في العصر الموحدي أو المريني.
وتوجد ببني زيات الكثير من المقابر التي توصف بأنها تنتمي إلى الحقبة الإدريسية أو الموحدية، ففي الجزء الداخلي من القبيلة في مدشر “كلمت” (بالميم لا بالدال فذلك اسم مدشر آخر) توجد مقبرة كبيرة يكن لها السكان الكثير من الإجلال والاحترام يسمونها “رجال كلمث” ويزعمون أن المدفونين بها هم رجال من الأدارسة الذين هربوا من موسى بن أبي العافية وآوتهم قبائل غمارة في تلك الناحية المغمورة في الجبال فنزلوا بها يتعبدون حتى أدركهم الموت. وفي حوز مرسى “تزكان” قرب مركز “قاع أسرس” توجد مقبرة كبيرة يقال إنها تعود إلى العصر الموحدي كانت لمجموعة من النساء الصالحات يسمونها “مئة فاطمة وفاطمة”. وفي رأس الجبل الذي ينبع منه النهر الذي يصب في البحر في قرية “ترغة” يوجد أثر جامع قديم يسمونه “تكطشت”، وهذا المسجد شبيه تماما بمسجد الملائكة الموجود ببني حسان والمنسوب إلى موسى بن نصير، وبجواره قبر يزعمون أنه لامرأة سوسية صالحة كانت تتعبد بذلك الجبل تدعى “تكطشت” وإنها لما ماتت دفنوها هناك وبنوا بجوارها مسجدا.
تعرضت مدينة تيكيساس للتخريب عام 1397 بسبب جور واليها من قبل بني مرين فارح بن مهدي فهجرها أهلها وتقول النصوص إنهم تفرقوا في الجبال القريبة منها، ولكن معالم المدينة لم تختف، إذ يقال إن ابن راشد صاحب الشاون أمر بتجديد بنائها، ولكنها فقدت أهميتها كليا لصالح مدينة أخرى مجاورة هي مدينة “ترغة”. ومما يدل على أنها كانت لا تزال قائمة حديث صاحب “مرآة المحاسن” عنها في القرن الحادي عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد. إذ يقول: “تقع في موضع كثير الحجارة والصخر في سفح جبل في غربيها، تحتها في الشمال جرف كثير الصخر عظيمه، على مكسر موج البحر، لها نهر نباع يجلب إليها منه جدول، ولها بسيط تركبه الجداول من كل جهة، فيسقي الزرع والكتان والثمار، فأهلها في أمن من القحط، وهي مدينة قديمة العمران”. ورغم ذلك فإن هذه البلدة لم تعد أبدا إلى ما كانت عليه من ازدهار في العصر الوسيط، وبقيت مجرد قرية حتى هدمها طيران الإسبان سنة 1924 أثناء الحرب الريفية، فاندثرت نهائيا، وأنشئ مكانها في الخمسينيات مركز قروي سياحي يعرف ب”السطيحات”، وفي نفس الوقت أرسلت بعثات علمية للتنقيب عن بقايا آثار المدينة القديمة، فلم توفق البعثة المذكورة في الوصول إلى أية نتيجة. ثم ظهر بعد ذلك أثناء فتح الطريق الرابط بين تطوان ومركز “الجبهة” لبعض العمال أثر بناء قديم ثم بعد قيامهم بالحفر العميق اكتشفوا أنها صومعة كاملة مدفونة تحت الأرض جدرانها مزينة بقطع من المرمر، وإلى جانبها بقايا أثرية تعود إلى العصور القديمة.
قريبا جدا من مدينة “تيكيساس” على بعد بضع كيلومترات فقط للمتجه صوب تطوان توجد مدينة أثرية أخرى مندرسة هي مدينة “ترغة” التي قال ليون إنها من بناء ملوك القوط، والتي يوحي اسمها البربري بما يشبه قناة المياه الجارية. والمدينة المذكورة غير القرية المعروفة حاليا بنفس الاسم والمبنية على أنقاض الأولى، ويبدو أن الإسلام دخل إلى المنطقة والمدينة موجودة ومزدهرة، ومما ينسب بها من الآثار إلى بداية العهد الإسلامي مسجد جامع عتيق جدا يزعمون أنه من بناء عقبة بن نافع. وقد كانت المدينة من نصيب عمر بن إدريس حالها في ذلك حال جارتها “تيكيساس”.
شهدت مدينة ترغة أوج عظمتها على ما يبدو في العصرين الموحدي والمريني، فقد نزل بها أبو العباس الغزال المذكور وبنى بها زاويته، وربما استخدمها الموحدون لأغراض عسكرية، فعلى رأس الجبل المطل على القرية والملاصق لجبل “أزنتي” توجد آثار قلعة كبيرة تعرف عند العامة ب”دار السلطان”، أثبت البحث الأثري الذي أنجز في الثمانينيات أن أقدم بناء لها يعود إلى العصر الموحدي، ثم أضيفت إليها بعض التعديلات لاحقا إذ زيدت بها ثغرة للرمي بالمدفع، وربما سكنها البرتغاليون عند غزو المدينة كما يأتي.
وفي العصر المريني أصبحت ترغة على ما يبدو مدينة نشيطة جدا، إذ يوجد بجوارها الآن بسيط كبير يعرف عند العامة ب”جامع ابن عقار” لا ندري إلى من نسبته هذه، ولكن بحثا أثريا مهما أجري به في الثمانينيات فتم العثور على قطع خزفية صغيرة مختلفة الصنع مختلطة ببعض مواد البناء كالآجر المشوي والجير، تؤكد أن ذلك البسيط كان مأهولا وحينما تم تعميق البحث تم العثور على فرنين لصناعة الخزف أحدهما مكتمل المعالم تماما على عمق نصف متر تحت الأرض، أشبه ما يكون ب”منطقة صناعية”، وحينما حللت البقايا الأثرية ثبت أنها تعود كليا إلى القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد أي إلى نهاية العهد المريني قبيل الغزو البرتغالي للمدينة وتخريبها.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [9]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/35785607_769857863216557_1310361025559658496_n.jpg)