بلال الداهية
تحتفظ الذاكرة الشفهية والقليل مما هو مدون بذكريات ضبابية حول نشأة قبائل غمارة الحالية، وأحيانا تقع هذه الروايات في الخلط والتناقض، ولكنها تجمع كلها على ثلاثة أمور لا خلاف فيها بينها:
1. تقول هذه الروايات إن “السوسيين” هم أول من سكن البلاد، وتشترك الرواية الغمارية عنهم في نفس المعطيات مع الرواية المقدمة في قبائل بني حسان وبني سعيد ومتيوة وقبائل صنهاجة الريف وساحل بادس. إذ تزعم أن السوسيين الذين سكنوا كل هذه الجبال كانوا أغنياء، وأضاف بعضهم أنهم “كانوا يحكمون المغرب”، ثم عصوا الله فسلط عليهم سبعة أعوام من الريح الشرقية القاحلة والضباب، فهلك منهم من هلك ورجع من رجع إلى بلاد السوس الأقصى، ولكنهم قبل أن يرحلوا دفنوا كنوزهم وأموالهم تحت الأرض ووكلوا بها بعض مردة الجن لحراستها، ثم وضعوا خرائط لهذه الكنوز حتى يتمكنوا من استرجاعها متى شاؤوا. والنقطة التي تختلف فيها الروايات حول السوسيين هي سبب مجيئهم إلى الشمال، فالبعض يقول إنهم قدموا لأنهم كانوا “يحكمون المغرب” فأتى البعض منهم بنية التجارة، والبعض الآخر نفي إلى تلك الجبال الشاهقة تأديبا له. وبعض الروايات تجعل قدومهم بسبب الغزو البرتغالي إذ جاؤوا لقتال المحتلين الجدد الذين عبثوا بالسواحل الشمالية.
2. تجمع كل الروايات إلا القليل جدا منها على أن قبيلة بني زجل لها وضع خاص، وأنها لا تشترك مع القبائل الثمانية الأخرى في النسب والأصل، وأن هذه القبيلة هي أقدم القبائل التسعة تأسيسا باسمها الحالي.
3. تتفق الروايات أيضا على كون القبائل الثمانية الأخرى تنحدر من جدين اثنين هما: نال ويال. والأكيد الثابت أن بني نال وبني يال اسم قبيلتين من غمارة ذكرهما ابن خلدون. وهنا تبدأ الروايات الشفهية في التفصيل، إذ تجمع على أن هذين الرجلين شريفان إدريسيان استوطنا المنطقة التي كانت خلاء بعد خروج أهل سوس، وأن يالا هرب من موسى بن أبي العافية عند ملاحقته للأدارسة ونزل بموضع يعرف ب”تاغزوت النوار” وهو حاليا من قبيلة بني منصور. أما “نال” فهو أيضا شريف إدريسي كان مقيما ببلد صنهاجة غدو (ناحية مدينة تاونات حاليا) ثم ارتحل بماله وعياله فنزل في جبل “إزولكام” وهو أول قبيلة بني خالد الحالية. فكان ليال أربعة أبناء: منصور وبوزرة وسلمان وزيات، وزاد صاحب “مرآة المحاسن” “جلا” وهو جد بني جلا وهم فرقة من قبيلة بني زيات. وأما نال فكان أولاده خالد ورزين وجرير وسميح. ومنهم تناسلت القبائل الثمانية.
إن مناقشة قضية السوسيين مسألة فضفاضة، إلا أن الكثير من التفسيرات المنطقية قدمت لها، ولعل أقربها إلى المنطق أن أهل غمارة والسوس الأقصى أصلهم واحد، فالكل من مصمودة، وحينما وصفت كتب الجغرافيا الوسيطية بلاد المغرب الأقصى ذكرت السوس الأقصى بمعناه الحالي، وسمت القسم الشمالي من المغرب ب”السوس الأدنى”. فقصة السوسيين هي لا محالة شظايا ماض مشترك بقيت ملتصقة بالذاكرة الشعبية لسكان الجبال الشمالية، ثم إن هذه الذاكرة المشتركة حركها قيام بعض الدول المغربية التي انطلقت من أرض المصامدة بالسوس الأقصى كدولتي الموحدين والسعديين، وإن تبني هذه الأخيرة أول أمرها سياسة الجهاد ضد البرتغاليين هو الذي جعل الذاكرة الشعبية تربط السوسيين بالجهاد ضد البرتغال، هذا مع وجود قرائن تثبت قدوم بعض أهل السوس فعلا لمحاربة الغزاة الإيبيريين كما هو حال “الجزوليين” الذين تقول المصادر البرتغالية إنهم استوطنوا ضاحية سبتة، أو “سيدي يحيى أعراب” دفين شاطئ غمارة كما نذكر لاحقا.
إن قبائل غمارة هي أكثر منطقة تنتشر فيها الروايات عن السوسيين، وظاهرة الحفر على الكنوز خصوصا في قبيلتي بني سلمان وبني خالد، ولبعض أهل هذه الأخيرة ولع كبير بها، حتى إن جبل “تيزيران” به الكثير من الحفر التي يزعمون أن الكنوز كانت مدفونة بها، كما يلاحظ أن هذه “الكنوز” عادة ما توطن بجوار الأضرحة أو عيون الماء تحديدا، ويزعم البعض أن ذلك من عمل أهل سوس الذين أرادوا أن تبقى كنوزهم مميزة ليسهل اهتداؤهم إليها، وفي نفس الوقت محمية بغطاء من الهيبة والوقار لما للأضرحة وعيون الماء من مكانة في نفوس الناس.
ولا يفوتنا أن نشير إلى وجود عائلات تحمل ألقابا سوسية في قبيلتي بني سلمان وبني خالد تحديدا، ففي الأولى بيت “تافريستان” بمدشر “أسيفان” مثلا، وبمدشر “بوخلف” من الثانية بيت “تملاكوتان”، والمعروف أن “تملاكوت” هو من قصور بلاد درعة التي تتاخم السوس ومراكش. والغلبة المفرطة للأسماء السوسية على القرى والأماكن بصفة عامة.
أما مسألة الأنساب التي عرجنا عليها، فالملاحظ أن قبيلة بني زجل لها فعلا وضع خاص إذ يحتفظ سكانها بمشجرات أنساب كما سنناقش بالتفصيل لاحقا، أما قضية انحدار قبائل غمارة الثمانية الأخرى من “نال” و”يال” فتبقى مجرد أسطورة قد يكون فيها شيء من الصواب، وفي هذا الباب نلاحظ:
1. أن بني نال وبني يال قد ذكرتا عند ابن خلدون، فأثبت ذلك وجودهما.
2. أن المصادر الوسيطية لم تذكر من القبائل الغمارية التسعة سوى بني سلمان وبني منصور باسمهما الحالي، وبني زيات بصيغة “بني زياد”، ولم ترد أسماء القبائل الأخرى إلا في بداية العصر الحديث.
3. أن هذه القبائل أسماء أجدادها عربية (خالد ومنصور وسلمان…) فدل هذا على أن الجد الأعلى المفترض أنه مؤسس القبيلة الأول عاش بعد دخول الإسلام.
4. أن الرواية الشفهية فتحت الباب لكل أهل غمارة كي ينتسبوا إلى الشرف بما ان الجدين الكبيرين نالا ويالا كانا شريفين، وهو ما فرض على النقباء التشمير عن سواعدهم لدفع هذا القول وأكثر ذلك وقع في قبيلة بني رزين كما يأتي.
وقبل الدخول في تاريخ كل قبيلة من قبائل غمارة على حدة، وجب أن نتساءل: متى تعربت قبائل غمارة؟
لا شك إطلاقا في أن أهل غمارة كانوا يتحدثون البربرية ولا يعرفون العربية إلا فيما ندر وقل، وإذا كانت قبيلة بني بوزرة لا زالت محافظة على لهجة خاصة، إلى جانب بعض المداشر القليلة في بني منصور، فإن البقية كلهم الآن يتحدثون الدارجة العربية مثل قبائل جبالة، والمعطى الوحيد الذي نملكه أن أهل هذه الجبال لم يكونوا قد عربوا بعد في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد، إذ تثبت النصوص أن الإمام ابن خجو كان يلقي الخطب ب”اللسان الغماري” كي يفهمه الناس، وتقول الروايات الشفهية إن قبيلة بني زجل كانت أول قبيلة تعربت بسبب أصلها العربي ولأن الأكثرية من أهلها كانوا يحفظون القرآن منذ ظهور المدرسة الإصلاحية التي تزعمها كل من ابن خجو وابن عرضون والهبطي. وفي نفس الوقت تعربت كليا قبيلة بني زيات، وكان السبب هو قوة الهجرة الأندلسية التي غلبت عليها حتى صار ذوو الأندلسي أغلبية.
يتبع.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [7]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/images-7.jpeg)