بلال الداهية
لا أحد ينكر شساعة حدود غمارة الحالية، ولكنها إن قورنت بحدود العصر الوسيط تبدو لا شيء، وإذا عدنا إلى البكري وصاحب الاستبصار والإدريسي وابن خلدون والبادسي ومصادر التاريخ السياسي الوسيط للمغرب… فإننا نجد كما هائلا من القبائل المنضوية تحت اسم “غمارة” الجامع، أما اليوم فلا يتجاوز العدد تسعة قبائل:
1. تمتد القبيلة الأولى غربا على الضفة الشرقية لمصب نهر “لو” وتعرف بقبيلة “بني زيات” وتعتبر “قاع اسرس” أول بلداتها للقادم من تطوان، وتملك حيزا بحريا كبيرا به شواطئ “قاع اسرس” المذكور و”ترغة” و”السطيحات” (مدينة تيكيساس قديما)، وإلى جانب هذه الشواطئ الموجودة على هيئة الأجراف فإن المناطق الداخلية من القبيلة مأهولة وكثيرة المداشر.
2. إذا تابعنا السير ناحية الشرق على ساحل البحر تصادفنا قبيلة ثانية هي قبيلة “بني بوزرة” ولها خاصية فريدة هي احتفاظ بعض مداشرها إلى الآن بلهجة بربرية خاصة، في الوقت الذي عربت فيه القبائل الثمانية الأخرى كلها، وبها أيضا شواطئ وقرى ساحلية كبيرة، وتعتبر قرية “بو أحمد” عاصمة لها.
3. على ساحل البحر دائما توجد قبيلة صغيرة تعرف ب”بني جرير” وفي العامية ينطق جيمها كافا معقودة كجيم أهل مصر، ولها شاطئان عظيمان هما “أمثار” و”تغصة”.
4. وفي حدود القبيلة مع متيوة شرقا تمتد قبيلة شريطها الساحلي ضيق جدا إلا أن مساحتها الداخلية لا بأس بها هي قبيلة “بني سميح”.
5. وفي الناحية الداخلية من بلاد غمارة تمتد خمس قبائل أخرى لا تملك واجهة بحرية أولها من الجهة الغربية قبيلة بني زجل، بجيم مشدد على طريقة أهل الجزائر، وهي كبيرة المساحة تقع في ظهر مدينة الشاون ممتدة على سلسلة جبلية شديدة الوعورة ومركز هذه القبيلة قرية “تالنبوط”.
6. وعند مخرج قرية “أمطراس” وسيرا مع الجبل الوعر الشديد النتوء الذي يعلوها تحد أرض بني زجل بقبيلة داخلية أخرى هي قبيلة بني سلمان التي تعد قرية “أسيفان” مركزها.
7. وبين الجبل والبحر قبيلة متوسطة المساحة أرضها وادية شديدة الانحدار، يغطيها الضباب في أيام الريح الشرقية هي قبيلة بني منصور.
8. وعلى مساحة ضخمة تمتد أكبر قبائل غمارة: قبيلة بني خالد التي تبدأ من فج فسيح هو “باب المضيق” حيث يقام حاليا سوق أسبوعي يوم الخميس، الذي يفصلها عن بني سلمان، وتقابله أول قرى القبيلة : قرية “إزلكام”، وتنتهي عند “باب بصم” حيث تبدأ أراضي كتامة.
9. وفي أقصى الشرق قبيلة أخيرة داخلية لا ساحل لها هي قبيلة بني رزين، غير أن أراضيها الشمالية قريبة جدا من البحر، وهي الآن تتوسط الطريق بين مركز “باب برد” الواقع بتراب بني خالد، و”الجبهة” على شاطئ البحر الواقع بتراب قبيلة متيوة.
والأولى أن نقف على بعض الأحداث من تاريخ غمارة الكبيرة قبل أن نتحدث عن كل قبيلة من القبائل التسعة على حدة.
إذا عدنا لمصادر العصر الوسيط فإن عدد القبائل التي توصف بأنها منتسبة إلى غمارة كبير جدا، ولكننا لا نصادف من الأسماء التسعة الحالية أي اسم على الإطلاق سوى اسمي بني منصور وبني سلمان، وكلتاهما ورد ذكرها عند البيذق في “أخبار المهدي” في حملة عبد المؤمن بن علي الكومي مؤسس دولة الموحدين على جبال غمارة، وذكرت بجانبهما قبيلة “بني زياد” بالدال كما في العربي الفصيح، ولا يبعد أن تكون هي نفسها قبيلة “بني زيات” قد أبدلت دالها تاء.
أما القبائل الأخرى فلا أثر لها في العصر الوسيط كله إلى نهاية العصر المريني، نعم قد ورد اسم بني رزين هنا أو هناك ولكن في سياق آخر ومجال جغرافي مغاير تماما كما يأتي. وفي المقابل تصرح مصادر العصر الوسيط بأن غمارة كانت تضم قبائل كثيرة جدا، بعض هذه القبائل اختفى اسمه إطلاقا من الوجود في مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، والبعض الآخر لا زال موجودا ولكنه لا يعد الآن من غمارة.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [3]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/01/35241415_763857330483277_1272174879352815616_n.jpg)