بلال الداهية
لقد حدد البكري مواطن غمارة من نكور شرقا (الحسيمة حاليا) إلى “كروشت” غربا بين مدينتي سبتة وطنجة، بينما مد ابن خلدون بلاد غمارة أكثر من طنجة وصولا إلى غساسة بساحل الريف الشرقي، وكان الإدريسي قبله أكثر دقة حينما وطن حدود غمارة من الغرب ب”مرسى إنزلان” (شاطئ أزلا حاليا) وهو اليوم منتهى قبيلة بني سعيد التي كانت آنذاك من غمارة، وبداية قبيلة بني حزمار التي كان قسم منها (بني يكم) آنذاك أيضا من غمارة، وجعل نهايتها شرقا مدينة “بادس” حيث تنتهي اليوم قبيلة بني يطفت وتبدأ أرض بقوية من بلاد الريف، أما جنوبا فنهاية أرض غمارة حسب الإدريسي دائما “جبال الكواكب” وهي سلسلة شاهقة حسب تعبيره، واسمها العربي هذا دال على الارتفاع الشديد، وتمتد هذه السلسلة من جبل “تيزيران” وصولا إلى فاس من ناحية الجنوب. ولا خلاف من الناحية الشمالية على كون غمارة تنتهي إلى ساحل البحر.
إن غمارة الوسيطية تتطابق مع القسم الأكبر من تراب مملكة “موريطانيا الطنجية” القديمة، ولا شك أن الحضارات القديمة من فينيقيين وقرطاجنيين قد احتكوا بأهل هذه البلاد وخالطوهم، وإن كانت خيوط هذا الأثر غير واضحة، بل إن الكثير من المراكز الساحلية ببلاد غمارة لا شك أنها ظهرت (أو على الأقل نواتها) في العصور القديمة.
تسجل المصادر القديمة أن “الموريين” الذين نسبت إليهم أرض المغرب قديما فسميت “موريطانيا”، هم من شعوب البربر المستوطنين حينها شمال إفريقيا، غير أن لفظ “الموريين” قد بقي مقتصرا في الغالب على القاطنين من وادي الشلف بالمغرب الأوسط إلى منتهى البلاد غربا، وعرفت الشعوب الممتدة شرق الشلف بأسماء أخرى، ولعل تطابق جزء كبير من بلاد الموريين مع موطن غمارة هو الذي جعل ألبيرتو كينتانيا Alberto Quintanilla يفترض أن غمارة هم نفسهم الموريون الذين عرفهم الرومان في العصور القديمة، واستنادا إلى مخارج حروف الكلمة في الدارجة المغربية (Ğmara) والنسبة إليها (Ğmari) فقد قارن الكلمة مع النسبة اللاطينية القديمة (Mauri) حيث تحذف الغين من البداية لانعدامها في اللاطينية وتضاف بدلها واو زائدة لاختلاف الألسنة، ويكون اللفظان في هذه الحالة متطابقين. وتبقى هذه وجهة نظر تحترم.
إن اسم “غمارة” بربري دون شك، ولا يلتفت لما شاع من أساطير في العصر الوسيط عن كون اللفظ عربي الأصل، وأن أهل هذه الناحية قد سموا به لأنهم “غمروا في الجبال”، وقد وصف ابن خلدون هذا ب”المذهب العامي”، ولا خلاف في أن القبائل البربرية – جلها أو كلها – قد تشوفت إلى التشبه بالعرب والانتساب أحيانا إليهم، ولهذا أسباب كثيرة ليس هذا موضع طرحها.
يطرح المدققون من مؤرخي العصر الوسيط من أمثال ابن خلدون وابن حزم احتمال انتساب غمارة كلها إلى شخص يدعى “أغمار”، وهذا الاسم يحتمل الكثير من التحويرات بلسان البربر منها “أغمير” (ج. إغميرن) ومعناه ما تميز من الأرض بارتفاعه. ومنها “إغمر” الذي يفيد الاكتمال، فيكون معنى اسم “أغمار” هنا بالعربية “الكامل” وهو ما رجحه أوكست مولييراس. وإن قلبنا حرفي الميم والغين صار اللفظ “أمغار” الذي يدل على كبير القوم.
إن “أغمار” هذا يقدم على أنه ابن “أصاد بن مصمود”، وأحيانا يزداد طول الشجرة فيقال: أغمار بن سطاف بن مليل بن أصاد بن مصمود. ومصمود هو جد مصمودة من أكبر أمم البربر وهم الذين اختصوا دون سواهم بسكنى المغرب الأقصى في القديم قبل أن يخالطهم فيه غيرهم، وهم فوق ذلك أحد الشعوب السبعة المكونة لأحد قسمي البربر الكبيرين: البرانس.
أما غمارة الحالية فتختلف كثيرا عن غمارة العصر الوسيط فحدودها معلومة بين نهري “لو” غربا الذي يفصلها عن بني سعيد وبني حسان، و”أورينكا” شرقا الذي يفصلها عن متيوة، غير أن الحدود الشرقية تتجاوز متيوة جنوبا لتلقي في القمم العالية الباردة من جبال الريف مع قبيلة “كتامة” يفصلهما عن بعضهما فج شديد الوعورة والريح يعرف ب”باب بصم” بسكون الحروف الثلاثة وتشديد الصاد، وتفصلها فجاج مشابهة أقل وعورة من الناحية الجنوبية عن قبائل بني زروال وبني أحمد والأخماس.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [2]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/tamrawte-748x430-1.jpg)