بلال الداهية
على بعد خمسة عشر كيلومترا عن ساحل البحر، تمتد في وسط الطريق بين “باب المضيق” والشاطئ قبيلة غمارية أخرى هي قبيلة بني منصور، ومن بين مميزات هذه القبيلة أن معظم جبالها صخرية قاحلة لا تنبت إلا الشي القليل، وأن قراها وادية يكثر بها الضباب في أيام الريح الشرقية. ولا نعرف عن “منصور” الجد الأعلى المفترض الذي سميت القبيلة على اسمه شيئا إطلاقا، سوى ما ذكر في بعض النصوص التي سبق الحديث عنها أنه ابن ل”يال”.
إن أقدم ذكر لبني منصور الغماريين ورد في نص البيذق في “أخبار المهدي” مع جيرانهم بني سلمان، ثم تأخر قرونا أخرى نسيت فيها أخبارها كليا إلى عصر ليون الإفريقي الذي ذكر هذه القبيلة، ولم تخرج ملاحظاته عنها عن السياق الطبيعي العام الذي شدد فيه على كون أراضي بني منصور قاحلة، ولا تنتج سوى العنب، وعلى المستوى الاجتماعي فقد وصفها بأن أهلها مفرطون في شرب الخمر، وأن نساءهم يخرجن لرعي الماعز، وختم قائلا: “وليس فيهن واحدة وفية لزوجها”. وهذا الوصف يذكرنا بما وصف به الهبطي أهل بني زجل في نفس القرن والفترة.
إن قبيلة بني منصور تضم بعض المداشر القليلة التي لا زال أهلها إلى الآن يتحدثون “الشلحة البوزراتية” مثل أهل بني بوزرة، ويبدو لي من خلال بعض الملاحظات العامة أن هذه القبيلة نظرا لموقعها المنزوي قد حافظت على شيء من طابعها الأصلي البسيط الذي تغلب عليه الخشونة.
ورغم ذلك فإن القبيلة استقبلت بعض الجماعات البشرية من خارج حدودها، خصوصا في القرون المتأخرة، فجاءها البقاليون والميمونيون وسكنوا مدشر “إنسوان”، وسكنها المرابطون الغلبزوريون القادمون من الريف، كما جاءتها من الريف أسرة “أطروهاش” التي عرف موطنها ب”إطروهاشن”، وأسرة “أبطوي” التي جاءت في فترة متأخرة من قبيلة بني جميل ويعرف موطنها ب”إبطوين”…
واستقرت عشيرة عمرانية كبيرة من ذرية حنين بن يحيى دفين “تالمبوط” عرفت ب”آل عبد الكريم” في مدشر “بني وكتا” قبل أن تغادره غالبيتهم صوب قبيلة بني خالد بحثا عن وسط طبيعي أفضل، حيث عرفوا بلقب “أكتاو” نسبة إلى المدشر الذي جاؤوا منه.
وإذا كان وصف الوزان يوحي بأن قبيلة بني منصور كانت تعاني من نفس ما عانت منه قبيلة بني زجل، فإنها كذلك – مثل بني زجل – شهدت ظهور مؤسستين دينيتين مهمتين في القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد كان ظهورهما حاسما في نشر التعليم الديني وحفظ القرآن في هذه القبيلة، والقطيعة مع الكثير من الظواهر السلبية.
إن أول هاتين المؤسستين هي الزاوية الأحمادونية، التي تأسست في منتصف القرن المذكور في مدشر “وتليغا” وتولت رئاستها أسرة “أحمادون”، وكان مؤسسها الفقيه أحمد بن محمد أحمادون مريدا للشيخ علي )علال( الحاج البقال في زاوية البقاليين ب”الحرائق” في قبيلة اغزاوة، فأذن له شيخه ببناء فرع للزاوية بقبيلة بني منصور لمحاربة المعتقدات الفاسدة والبدع الكثيرة التي كانت تعرفها هذه المنطقة، ومن مميزات هذه الزاوية أنها أصبحت مركزا طبيا، وأن آل أحمادون قد توارثوا أبا عن جد مهنة الطب التقليدي إلى جانب براعتهم في معالجة الكسور، ولا زال ذلك معروفا عنهم إلى الآن، وكانت هذه الزاوية محجا لمختلف القبائل من غمارة وجبالة وأهل الريف بغرض التداوي.
وفي مطلع القرن التاسع عشر نقل الشيخ محمد أحمادون مقر الزاوية من “وتليغا” إلى مدشر “ترزات”. بداية القرن العشرين طبقت شهرة هذه الزاوية الآفاق حينما ترأسها الشيخ الصديق بن المفضل بن الحسن بن محمد أحمادون الذي كانت له براعة خاصة ليس فقط في علاج الكسور، بل أيضا في مداواة الرضوض التي تصيب البدن والفك وتشنجات العضلات والتواءاتها، والكثير من أمراض البطن والجلد ومرض “بوصفار”… وقد استعمل هذه الزاوية في معالجة الجرحى من المجاهدين أثناء معارك حرب الريف.
أما المؤسسة الثانية فهي زاوية بنيت في مدشر “تجكان” على يد الشيخ علي الشلي السريفي، المتوفى عام 981 هـ/ 1573م والمدفون في مدشر “بوجديان” بقبيلة أهل سريف، ثم إن الشيخ الشلي قد وفد عليه طالب من الأشراف من قبيلة بني يزناسن بشرق المغرب هو عبد السلام بن محمد بن عبد المؤمن، فسلمه الشلي رئاسة هذه الزاوية وغادر عائدا إلى قبيلته “أهل سريف”، وكان عبد السلام المؤمني معاصرا للشيخ أحمد الفيلالي دفين بني بوزرة. ومنذ حينها أصبحت رئاسة هذه الزاوية في يد بني عبد المؤمن الذين عرفوا بهذا اللقب العائلي وكذلك بلقب “التجكاني”. وفي مطلع القرن التاسع عشر ظهر من هذه العائلة الشيخ أحمد الملقب ب”الغماري”، فطلب العلم بمدشر “أناري” البوزراتي، ثم انتقل إلى قبيلة زرقت من صنهاجة الريف فتتلمذ على الشيخ محمد الخمليشي، ومنها اتجه صوب مصر حيث أكمل تعليمه وأدى فريضة الحج بالديار المقدسة، وما إن عاد إلى المغرب حتى اتجه صوب فاس فلقي الشيخ العربي الدرقاوي، فأذن له ببناء زاوية جديدة، فتم ذلك حوالي 1246 هـ/ 1830م، وعرفت الزاوية القديمة بزاوية “تسافت” نسبة إلى شجرة بلوط تظللها، بينما عرفت الزاوية الجديدة المنسوبة إلى الشيخ أحمد هذا ب”الزاوية التجكانية”، وخلفه في رئاستها ابنه “الصديق” الذي تنسب إليه أسرة بني الصديق الغماريين الشهيرة في طنجة والتي بلغ صيتها في التصوف وعلوم الحديث شأنا عظيما في المغرب ومصر.
ولم تكن الأسرة المؤمنية هي الوحيدة التي نشطت الشأن الديني في زاوية تجكان، بل اشتهرت عدة عائلات بإنجابها بعض العلماء الذين درسوا بهذه الزاوية وتولوا خدمتها وعلى رأسهم الشيخ محمد المؤذن المنصوري الموجود ضريحه بها، وقد توفي في مطلع القرن الرابع عشر للهجرة/ نهاية التاسع عشر للميلاد، ومنها أيضا أسرة “ابن آمنة” و”أقشقاش”… وقد كان معروفا عن “تجكان” أنها مركز متخصص في تحفيظ القرآن وتعليم القراءات السبع دون تدريس أي من العلوم الشرعية الأخرى، ثم نبه الشيخ العربي الدرقاوي تلميذه أحمد بن عبد المؤمن إلى ضرورة إدخال العلوم الشرعية الأخرى والحساب إلى مناهج التعليم فأجابه إلى ذلك.
يتبع.
الصورة الأولى لزاوية “تجكان”
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [18]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/36319050_778140022388341_3894554220912705536_n.jpg)