بلال الداهية
تحتل قبيلة بني سلمان حيزا متوسطا بين جارتها الشمالية بني بوزرة، وبين قبيلة الأخماس من الجنوب، وتلتصق بقبيلة بني زجل من جهة الغرب، تفصلهما الكثير من الجبال الشاهقة، ومقارنة ببني زجل وبني خالد مثلا فإن مساحتها أصغر. وتوجد بها منابع بعض الأنهار، خصوصا “وادي القنار” الذي يصنع خوانق ضيقة بين الجبال، تتخذ أشكالا فريدة، ومن أشهرها “القنطرة د ربي” (قنطرة الله)، وهي من جملة المناظر الطبيعية الخلابة.
يعود أقدم ذكر لقبيلة بني سلمان الغمارية في “أخبار المهدي” للبيذق، إذ حاصرت جيوش عبد المؤمن مؤسس الدولة الموحدية أراضيهم قبل أن يدخلوا في طاعة الموحدين، ولا نملك إطلاقا اية معلومات حول “سلمان” الجد الأعلى الذي نسبت إليه القبيلة.
من بين ما تحتفظ به الذاكرة الشفهية لبعض سكان بني سلمان أن قبيلتهم زارها “السلطان الأكحل”، وهو اللقب الذي يطلق في الغالب على السلطان أبي الحسن المريني، وأنه أمر باستخراج الرصاص وبعض المعادن الأخرى من جبالهم، وأمر بإنشاء حصن صغير قرب موضع مدشر “أسيفان” الحالي، ولكن الحصن لم يتم بناؤه ربما لانشغال أبي الحسن بأحداث إفريقية والمغرب الأوسط وخلاف ابنه أبي عنان عليه.
رغم شح المعلومات عن قبيلة بني سلمان إلا أنه من الواضح أنها أصبحت من أهم المراكز العلمية في قبائل غمارة في القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد، ولعل أقدم الأعلام الذين استطعنا الوقوف عليهم في هذا الباب هو موسى بن عبد الله من عائلة “برو” في مدشر “أمولة”، وقد كانت هذه العائلة كما يرد في النصوص القديمة تعرف ب”بَرّور” أو “بَرّوج”، والظاهر أنها ليست أندلسية الأصل كما يُعتقد، فلا يرد في كنية الرجل ولا في كنى أبناء هذه العائلة أو سيرهم ما يوحي بقدومهم من الأندلس، وكان موسى بن عبد الله هذا منجما وممن عرف ب”السيمياء” وله تأليف في “علم الجدول”، وهو نوع من الكتابات الطلسمية المستخدمة في السحر والتنبؤ بالغيب.
ومن أقدم العائلات العلمية في القبيلة عائلة “القاضي”، وكان منها العلامة محمد بن محمد القاضي الذي درس بفاس واشترى بها بيتا من بيوت المدرسة المصباحية وجعله وقفا على طلبة غمارة ممن يأتون إلى فاس للدراسة بها.
وفي الفرقة المسماة “بني فنزر” من هذه القبيلة استقر فرع من الأشراف العمرانيين الحنينيين القادمين من “تالمبوط” الزجلية، وأسسوا زاوية تعرف ب”الزاوية الفوقية”، وكان من أشهر أعلام هذه العائلة أيوب بن محمد العمراني، والذي عرف أحفاده لاحقا بلقب “الأيوبي العمراني” تمييزا لهم عن فروع العمرانيين الأخرى.
واشتهرت بالعلم أيضا عائلة أخريف التي ظهرت في مدشر “إخلادن” في مطلع العصر الحديث، وكانت تدعي الشرف وتزعم أنها على قرابة مع عائلة “أخريف” الشهيرة في بني عروس، ورفع أمرها إلى النسابة فأبطلوا انتسابها إلى الشرف، ويرى ابن عزوز حكيم أنها أندلسية الأصل. وكان من أقدم أعلام هذا البيت محمد بن العربي أخريف من أهل النصف الثاني من القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد. وقد استطاع أفراد هذه العائلة الحصول على ظهائر التوقير من السلطان الحسن الأول في نهاية القرن التاسع عشر للميلاد.
وفي مدشر “تورات” ثم لاحقا في “دارمنت” ظهرت في العصر الحديث أيضا عائلة من أكبر عائلات هذه القبيلة اشتهرت بكثرة حفظة القرآن هي عائلة “بوخزار” التي قدمت من قبيلة اغزاوة، وقبلها من مدينة فاس، وكان من أعلامها في منتصف القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد الكاتب الفقيه عبد الرحمن بوخزار السلماني.
ومن هذه العائلات أيضا عائلة “مسرة” بكسر الميم، التي أسست في مدشر “الزيتونة” مكتبة عظيمة كانت بها الكثير من المخطوطات والوثائق والنصوص التي ضاعت وعبثت بها يد الزمان بعد ذلك، وكانت ملكية هذه المكتبة قد آلت إلى الفقيه محمد بن أحمد مسرة مفتي قبيلة بني سلمان، ثم اندثرت بعد ذلك، وقد عاش محمد هذا على الأرجح في بداية القرن التاسع عشر، وكان ولده أحمد مفتيا وفقيها ونائبا لقاضي الجماعة ببني سلمان، ثم صار حفيده خليل بن أحمد مسرة أشهر أعلام القبيلة في القرن الماضي وقد عاصر الحماية الإسبانية وعينه الإسبان قاضيا ب”الملاليين” على قبيلة حوز تطوان.
ولعل أشهر من أخرجته القبيلة السلمانية هو الولي الشهير محمد بن أحمد البوزيدي السلماني المنتسب إلى الشرف، الذي درس بفاس وأسس زاويته الشهيرة ب”السطيحات” وبها ضريحه الذي دفن به إثر وفاته في عام 1229 هـ/ 1814م، وهو صاحب القصيدتين “الرائية” و”التائية” في التصوف، وكان له الفضل في نشر الطريقة الدرقاوية في شمال المغرب إذ كان شيخا للعلامة أحمد ابن عجيبة، ثم يقول المترجمون لهما إنه قد وقع بينهما خلاف ف”تصرف” البوزيدي في تلميذه ابن عجيبة وقتله برمية بارود من غمارة إلى سكنى ابن عجيبة في أنجرة. والله أعلم بذلك.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [17]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/36276412_777217959147214_8126851510203056128_n-1024x730.jpg)