بلال الداهية
إن أول قبائل غمارة العليا ناحية الغرب هي قبيلة بني زجل التي تتوسط ما بين مدينة الشاون والبحر، وهي إحدى أكبر قبائل غمارة من حيث المساحة وعدد السكان، وهي فوق ذلك تحتوي على سبعة فرق: بنو أبي شداد (بنو شداد قديما) والقلعة والوسطيين وبنو منصور وبنو شكورة وبنو سملولة وبنو موسى. ولمداشر هذه القبيلة ميزة خاصة هي أن جلها معلقة في أماكن شاهقة، ونادرا ما يوجد في هذه الفرق كلها مدشر يسهل الوصول إليه، ذلك أن هذه القبيلة في الأصل ممتدة على جزء من الذروة الكلسية الشديدة التضرس والانحدار، ونظرة عامة لمداشرها توحي بأن المستقرين فيها كانوا يبحثون عن الأمان في الغالب وعن الابتعاد عن مزدحم الأقدام.
لقد سبق أن ذكرنا عند وصفنا العام لقبائل غمارة أن هذه القبيلة لها وضع خاص. وهذا الوضع الخاص هو الذي جعل النصوص تضطرب كثيرا في نسبتها، وإذا كان اسم “بني زجل” يغيب تماما في مصادر العصر الوسيط، فإن البكري يذكر فرقة بني شداد في موضعها الحالي مما يوحي بأنها كانت قبيلة مستقلة ثم اندمجت في قبيلة بني زجل.
إن أبرز مظاهر الاختلاف الشديد في نسبة بني زجل هو الخلط الواقع في اسم مؤسس هذه القبيلة، فقد وقع الإجماع على أن هذه الجبال الزجلية كانت خالية من السكان، تعمرها الوحوش والقردة حتى نزل بها رجل منفرد بنفسه، وتجعل الروايات هذا الرجل تارة “محمد زجل” وتارة “أحمد جلال”، والأول نفسه تارة يعد من قريش دون تعيين نسبته القرشية، وزوجته من بني أمية، وتارة أخرى يعد الحفيد المباشر للصحابي أبي هريرة رضي الله عنه. والمشهور عنه أنه كان من أصحاب موسى بن نصير وأنه نزل مدينة طنجة، وفي أول القرن الثاني قامت الخوارج على عاملها عمر المرادي فقتلوه، وفر محمد زجل هذا بدينه في الجبال حتى انتهى إلى موضع من جبال بني زجل يعرف ب”وادي لمان”، وهو خانق سحيق بين جبلين شديدي الوعورة، فأعجبه ذلك الموضع وسماه “وادي الأمان”، وكان يقضي به فصل الشتاء، ثم يغادره صيفا إلى موضع مرتفع يدعى “بومنار” حيث بنى مسجدا عتيقا لا زالت رسومه قائمة إلى الآن، وبه توفي ودفن، ويصفه الهبطي الصغير بأنه كان شاعرا وأن لقبه “زجل” يعني الرجل الفصيح الكلام.
يعود الهبطي الصغير بعد ذلك ليقول نقلا عن أبيه الشيخ العلامة عبد الله الهبطي الكبير: إن قبيلة بني زجل تعرف ب”القبيلة الجلالية” نسبة إلى أول من نزلها في بداية دخول الإسلام إلى المغرب وهو المدعو “أحمد جلال”، وإن جلالا هذا كان شريفا من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب، وإنه كان يذكر الله كثيرا بصيغة “الجلالة” فلقب بسبب هذا ب”جلال”. بل إنه قد وصف بأنه ابن عبد الله الكامل أي شقيق إدريس بن عبد الله المعروف، وهذا ما ينقض هذه الرواية نقضا، ولعلها اخترعت لإلصاق أهل هذه القبيلة بشرف النسب، وهو ما خلق ضجة بعد ذلك، وفي القرن العاشر للهجرة/ السادس عشر للميلاد طرحت المسألة على العلامة ابن عرضون الكبير أحد أكبر رجالات هذه القبيلة، فأنكر كون بني زجل شرفاء إنكارا مطلقا، واكتفى بالقول بأنهم من قريش لأن جدهم الأعلى “زجل” كان قرشيا، وهذا لا يحقق لصاحبه النسبة الشريفة، ثم قال في “التقييد”: إن النسب الشريف الوحيد الموثق في قبائل غمارة كلها هو نسب العمرانيين المنحدرين من “سيدي حنين” كما سنرى لاحقا. ويقال إن أنساب بني زجل والأشراف العمرانيين الحنينيين والعتيقيين المستقرين بينهم وداخل جارتهم قبيلة الأخماس كانت كلها مدونة في مخطوط كبير يعرف ب”المنهاج”، ثم إن بعض الغوغاء أحرقوا هذا الكتاب حتى تمحى أنسابهم وتضيع، ويسهل على كل شخص أن يدعي الانتساب إلى الشرف.
إن النزر القليل الذي وصل إلينا من بقايا كتاب “المنهاج” هذا يفيد بأن الجد الأعلى المسمى محمدا والملقب ب”زجل” قد خلف ثلاثة أبناء من امرأته الأموية، وهم: إدريس ومحمد وكلات، فمن الأول انحدرت عائلة “ابن حميدان” (وهي من العائلات التي انتسبت لاحقا إلى الشرف)، ومن الثاني انحدر السكان الأولون لمدشر “بني امحمد” من فرقة بني موسى، وكان الثالث “كلات” أكثرهم ذرية، إذ ترك ثلاثة أبناء: صالح وعزيز وأحمد: فمن عقب الأول عائلات كثيرة منها: “ابن شكدي” و”القصري”… ومن عقب الثاني علات بن محمود بن عزيز بن كلات الذي أعقب ثلاثة أبناء: جنون وموسى وعيسى، فأعقاب جنون عائلتا “جنون” و”خنون” بالجيم والخاء، وعقب الثاني موسى فرقة بني موسى، وخصوصا سكان مدشر “أدلدال” وهم أولاد “ابن عرضون” المشهورون، وسكان مدشر “أمطراس” ومنهم عائلة “أشتيب”. والثالث: عيسى أغلب ذريته عائلة “أجليان” في مدشر “أمزار”. وأما أحمد بن زجل فمن ذريته أحد صلحاء القبيلة المسمى “سيدي ملول”، وعقب هذا الرجل يعرفون بلقب “ملول” وبألقاب فرعية أخرى ك”ابن إبراهيم” و”أوثول” و”أشغاف” و”أزراف” و”تمو” وموطن الجميع الأصلي قبل تفرقهم في المداشر هو مدشر “إزرافن”…
وتجمع الآراء على كون قبيلة بني زجل أول القبائل التي تعربت في جبال غمارة، كما أنها أول قبيلة انتشر بها التعليم الديني انتشارا كبيرا جعلها تسبق جيرانها، وتكون لاحقا في مطلع العصر الحديث مصدر حركة دينية إصلاحية ضخمة.
يتبع.
الصورة لمقام محمد زجل في “بومنار” (يسمى حاليا بوبنار) بفرقة بني موسى الزجلية.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [14]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/35114031_774563439412666_3446186822353289216_n-1024x614.jpg)