بلال الداهية
تعد قبيلة بني جرير ثالث قبائل غمارة الساحلية، إلا أنها أصغر حجما من سابقتيها بني زيات وبني بوزرة، وقد ذكرنا أن النصوص المتأخرة تجعل قبيلة بني جرير منحدرة من بني نال، ومما ينبغي ذكره أن قبيلة بني جرير تتوفر على مدشر “إنالين” الذي يحمل معظم سكانه لقب “النالي”، وينتسبون إلى الشرف العمراني، ولهم بذلك نصوص ومشجرات وظهائر سلطانية قديمة وحديثة.
إذا كانت قبيلة بني جرير صغيرة المساحة، فإنها تتوفر على مركزين ساحليين مهمين جدا هما “أمثار” و”تغصة”، وتمتد في قسمها الجنوبي جبال مرتفعة لا ينقضي الشتاء قبل أن تغطيها الثلوج عادة في كل عام، وتتكون القبيلة من أربع فرق: بنو حمدون وبنو الحاج وبنو سجود وبنو كرامة، وتقع ديار هذه الفرقة الأخيرة في القسم الأكثر علوا والأشد بردا في الشتاء وحرا في الصيف.
إن أقدم ذكر لقبيلة بني جرير ورد في “وصف إفريقيا”، وقد وصف الوزان أيضا “تغصة” ب”المدينة”، وأن أهلها كلهم تقريبا صيادون وملاحون يتاجرون في البحر، وهي التجارة التي بقيت مستمرة إلى فترة الحماية الإسبانية في القرن الماضي إذ عرف عن أهل هذه القبيلة نزولهم في مرسى تطوان لمقايضة بضائعهم التي كان أغلبها من اللوز والجوز وهلام العنب المعروف في الدارجة ب”الصامات”، ببعض البضائع التطوانية خصوصا الملابس. كا ذكر الوزان أن أكثر طعامهم من السردين الذي أزعجت رائحته المنبعثة من كل المنازل وحتى من الجدران صاحب “وصف إفريقيا” في الأيام القليلة التي قضاها هناك. ولعل “نغصة” كانت مركزا قديما عمر منذ العصور القديمة، واسمها بربري معناه: “الهيكل العظمي”، ومن الغريب أن هذه القبيلة تتوفر في جزئها السفلي الشاطئي على هذه البلدة، وفي جزئها العلوي الجبلي الداخلي على مدشر يحمل اسم “تيغصوان”، وهوجمع “تغصة”، ومعناه: “الهياكل العظمية”، وربما يدل هذا على بقايا مقابر قديمة في هذه الناحية، وربما كان الناس يحرثون الأرض أو يحفرونها بغرض البناء فتصادفهم الهياكل العظمية وبقايا الجماجم، وهذا كثير الحدوث في كل ناحية من نواحي الشمال المغربي.
تعتبر منطقة بني جرير من أكثر قبائل غمارة التي استقطبت المهاجرين من الأندلس، وإليهم يعود الفضل في إعادة بعث الحياة في قريتي “تغصة” و”أمثار” الساحليتين، وكانت أبرز الأسر النازلة في “تغصة” أسرة “برهون” القادمة من غرناطة في آخر القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد، ومما نقله ابن عزوز حكيم أن أحد أفراد هذه العائلة جمع على ما يبدو بعض التقاييد عن هجرة أهل الأندلس إلى سواحل غمارة في كتيب ضاع الآن عنوانه “زبدة التقاييد الجلية في أخبار الهجرة الأندلسية”، ومما ورد فيه أن بعض الأندلسيين الذين نزلوا في غمارة كانوا يحملون معهم مفاتيح منازلهم وأملاكهم في الأندلس واحتفظ بها أحفادهم، وقد توارث أفراد عائلة برهون هذه إمامة جامع تغصة الكبير مدة طويلة، ثم تفرقوا في سائر قبائل غمارة، خصوصا في بني بوزرة وبني زجل، وحتى خارج غمارة في قبائل متيوة وبني جميل والأخماس وبني حزمار.
ويذكر صاحب “الزبدة” المسمى محمد بن عبد السلام برهون التغصي، أن أصلهم الأول من مدينة “صورية” Soria شمال الأندلس قرب الثغر الأعلى، وكانوا يعرفون هناك ب”أولاد الغزال”، ثم هاجروا منها إلى قرطبة أولا ثم غرناطة أخيرا، وحينما سقطت المدينة في يد ملكي قشتالة وأراغون، ركبوا البحر ونزلوا في “تغصة” ومعهم خمس عائلات أخرى كانت لهم بها في الأندلس صلة قرابة هي عائلات غجو والردوندو ومورسيا والسوري وقردناش، وكل هذه الآن موجودة وباقية تحديدا في قبيلة بني جرير، وتمتد عائلتا مورسيا وقردناش إلى قبيلة متيوة أيضا.
ومن الأسر الجريرية التي وصفت في هذا المؤلف بأن أصلها أندلسي عائلات “ملوك” و”زروق” و”عزوز” المعروفة في “تغصة” و”أمثار” أيضا، وعائلة “أحناش” والتي يعرف موطنها ب”إحناشن”، ومثلها عائلة “الشراط” المعروف موضع إقامتها ب”إشراطن”. وفي الجزء العلوي من القبيلة بيت “القرفي” و”شنتيل”، وفي “تغصوان” عائلة “الربون” المشهورة في بني جرير وقبيلة متيوة…
وتعرف تغصة باحتوائها على زاوية عن ضريح الشيخ محمد العطار، وهو الضريح الذي كانت تزوره النساء لمعالجة العقم، وبها أيضا ضريح “أحمد الخليل” ابن علي الكبير الوزاني الذي سبق الحديث عنها. وقد احتضنت قبيلة بني جرير في القرون المتأخرة الكثير من الأشراف العمرانيين والبقاليين والوزانيين، ويعتبر مدشر “خنوبة” معقلهم الأساسي، وأشهر العائلات المنتسبة إلى الشرف العمراني في القبيلة عائلة “البازي”. ويقال: إن فرقة بني الحاج قد سميت على اسم أسرة عمرانية وقع نزاع شديد في شرفها أو عدم شرفها.
وإلى الشرق من قبيلة بني جرير تقع قبيلة ساحلية أخيرة هي قبيلة بني سميح، التي وجدناها تسمى في بعض النصوص القديمة المخطوطة: “بني مسيح”، بقلب الميم والسين، ولا يعلم لهذا الاسم أي وجه سوى ما يروى في الأشعار العامية عن كونها عرفت بهذا اللقب لأنها “سمحت” أي “تركت” عادات غمارة وتقاليدهم واتبعت عادات وتقاليد الريف، ويقصدون هنا بالدرجة الأولى ترك الإقبال على تعلم وتعليم القرآن الذي تعتبر غمارة معقله الأساسي، مقابل الاهتمام بحمل السلاح والتعمق في الصراعات والخلافات العائلية والعشائرية على عادة قبائل الريف قديما، ولهم في هذا موال يقولون فيه: “بني سميح سمحوا في قاعدة غمارة وتبعوا قاعدة الريف. لأن غمارة كلها طالب وشريف. أما بني سميح غير المكحلة والرديف. يقولوا الناس يا لطيف من بلاد الريف. سوى المكحلة والرديف والبارود الخفيف والدق لأزليف. قل الريف من سخط ربي وما سلم منهم إلا القليل.”
وعموما فإن العلاقة بين أهل بني سميح وبني رزين وبين أهل الريف حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، ثم إن هذه القبيلة السميحية تغلب عليها كليا أسماء الأماكن البربرية، وحتى أسماء الفرق الأربعة المكونة لها: بنو سدرات وبنو يزرف وبنو بوضكفان وبنو بوزكري، كلها أسماء بربرية خالصة. والملاحظ أنه يكثر بالقبيلة لقب “الريفي” وبها أيضا بيت “أورياغل”. كما لا تخلو من بعض من هاجر من ناحية فاس، ومن هذه الهجرة نشأت عائلة من أكبر بيوتات غمارة هي عائلة “مشبال”، وأكثر ديارها الآن بقبيلة بني جرير، إلا أن موضع نزولها الأول كان ببني سميح بمدشر “تازروت”، كما لا تخلو من مهاجرة الأندلس، ومنهم من جاء إليها من بني جرير حاملا نفس الألقاب التي سبق أن ذكرناها، ومنهم من ينتمون إلى عائلات أخرى كأولاد “أبري” في مدشر “زدمث” وهؤلاء كما رأيت في رسم قديم ينتسبون إلى بني أمية.
لا تذكر قبيلة بني سميح إلا ويذكر معها الأشراف البقاليون الذين استوطنوا مدشر “أفوغال” بها، وتأسست في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي زاوية لهم تعرف ب”زاوية سيدي أحمد البوهالي”، وقد توفي هذا الولي البقالي عام 1891 وذكر مولييراس أن مخبره الجزائري قد لقيه وشاهده حيا، ويعتبر من أكبر أولياء غمارة على الإطلاق، وتروى عنه كرامات كثيرة خصوصا أساطير التحول من إنسان إلى حيوان. ويقيم أهل القبيلة الآن موسما عند هذا الضريح في شهر غشت من كل عام.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد غمارة [13]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/36137483_773631722839171_6283065184386809856_n-1-1024x768.jpg)