بلال الداهية
توفرت قبيلة بني بوزرة على حصن دفاعي قديم هو الذي سماه الإدريسي “قصر تاركا”، وكان يضم قلعة مهمتها مراقبة الساحل، وحينما بدأ البرتغاليون في مضايقة سواحل غمارة كانت هذه القلعة من بين المناطق التي تعرضت للهجوم، فكانت النتيجة أن حلت بقبيلة بني بوزرة شخصية أخرى أكثر شهرة من ميمون بن أبي بكر، هو الولي الشهير “سيدي يحيى أعراب”، ولقب “أعراب” الذي ينتشر عادة في المناطق التي لا زال أهلها يتكلمون بلسان البربر هي مرادفة لعبارة “العربي”، ولا تخلو من هذا اللقب إلى الآن أكثر قبائل الريف، والمعروف من سيرة يحيى أعراب أن أصله من بلاد درعة في جنوب المغرب، فلعله كان من عرب بني معقل الذين كانت قبائلهم آنذاك تنتجع بلاد درعة كلها، والمعروف أيضا أنه كان من أهل التصوف وفي نفس الوقت كان يتقن الرمي، فجاء لينظم صفوف المجاهدين لقتال البرتغاليين، ولما مات في آخر القرن التاسع للهجرة/ الخامس عشر للميلاد دفن في روضته التي سكن أولاده وأحفاده بجوارها وتحولت إلى مدشر يعرف باسم “إعرابن”. وبني بجوارها جامع أصبح أكبر معاهد قبيلة بني بوزرة الدينية وأخرج من الفقهاء – خصوصا من عائلة أعراب نفسها – ما لا يحصى لكثرته. وتوجد بجوار ضريحة مقبرة عظيمة تسمى “مقبرة المجاهدين” فيها رفات المرابطين معه على قتال البرتغاليين. وتقابل الضريح والقرية جزيرتان تعرفان ب”إكنيون” ومعناها “التوأمتان”، ولكنهما في الخرائط الرسمية تعرفان ب”جزر ياكرشميت” نسبة إلى القنصل الفرنسي في طنجة شارل ياكرشميت Jagerschmidt الذي حصل في عام 1849 على ترخيص من المخزن المغربي بالطواف على الجزيرتين فعرفتا باسمه.
وبعيد يحيى أعراب نزل بقبيلة بني بوزرة شخص آخر من جنوب المغرب هو “سيدي أحمد الفيلالي” القادم من تافيلالت والمعروف ضريحه برأس جبل مطل على مدشر “أناري”، وتقول النصوص المناقبية إن الفيلالي كان تلميذا للشيخ عبد الله الغزواني، وإنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فأوصاه بسكنى غمارة، ويقال إنه حينما لقي شيخه الغزاوني ليأخذ عنه أصول التصوف قال الأخير: “لا إله إلا الله. سيدي أحمد الفيلالي نحن أكبر منه سنا وهو أكبر منا فضلا”. وأقام الفيلالي في أرض بني جرير بموضع وعر يسمى “اللجوج” فوق شاطئ “أمثار”، وساهم في نشر التصوف بهذه الجبال خصوصا أنه كان من معاصري الهبطي وابن خجو وغيرهم من زعماء الحركة الدينية الإصلاحية التي عرفتها المنطقة، وحينما أدركته الوفاة أوصى أصحابه بدفنه على رأس جبل يرى منه ساحل البحر، فاختاروا له موضع دفنه الحالي، وكانت وفاته عام 961 هـ/ 1554م ويقال إن جنازته حضرها الهبطي وخلق عظيم من أهل غمارة، فخاطبهم الهبطي قائلا: “هنيئا لكم يا أهل غمارة بهذا الولي الصالح”، وقد اتخذ ضريحه منذ ذلك الحين موضعا لإقامة موسم “اللمة”، وأصبحت قبيلة بني بوزرة تستغيث به في سنوات القحط والغلاء وعند الحروب، ويجتمعون عند ضريحه للتشاور، وبالجملة فإنه يعتبر “سيد غمارة” و”كبير أوليائها” على الإطلاق. ولفظ “أناري” الذي سمي به المدشر الذي دفن فوقه يعني “المتنور” كناية عن أن نور ضريح الفيلالي يشمله. وفي غمارة الآن عائلتا “الفيلالي” و”أفيلال” تدعيان أنهما من ذريته، وللأخيرة وثائق توحي بذلك. وكان بضريح الفيلالي علم يحمله بنو بوزرة أثناء الحروب ويشترط أن يكون رافعه من حفدته هؤلاء أو من شرفاء تجكان ببني منصور.
وزادت مرتبة القداسة التي حظيت بها قبيلة بني بوزرة بين قبائل غمارة في القرن الثاني عشر للهجرة/ الثامن عشر للميلاد حينما أصبحت مقرا ل”دار الضمانة” وهو لفظ يطلق على كل مكان حل به الأشراف الوزانيون، إذ حدث في عام 1127 هـ/ 1715م أن توفي شيخ الزاوية الكبرى في وازان التهامي فخلفه ابنه الطيب، واختار ابنه الآخر أبو أحمد علي بن التهامي الهجرة إلى جانب جملة من أعيان مدشر “أمطراس” في قبيلة بني زجل الغمارية جاؤوا يرغبونه في السكن بقريتهم، وعرف علي بن التهامي ب”مولاي علي الكبير”. ثم إنه بعد استقراره لمدة ب”أمطراس” ونشره الطريقة الوزانية بها اختار النزول إلى البحر، فحل بقرية “تغصة” من قبيلة بني جرير على الشاطئ، فمات له بها ابنه أحمد الخليل صغيرا فدفنه بها، ولا زال قبره ب”تغصة” مشهورا، وانتقل من هذه القرية صوب سهل فسيح بشاطئ بحر قبيلة بني بوزرة قريبا من مصب وادي تيكيساس الفاصل بينها وبين بني زيات، فعرف موضع إقامته هذا في بني بوزرة ب”بوأحمد” أي أبي أحمد وهي كنيته، وصارت قرية “بو أحمد” تعرف ب”دار الضمانة” لأنها بقيت محل سكنى الأشراف الوزانيين ومنها انتشروا في قبائل غمارية أخرى منها قبيلة بني زيات غربا.
وبعد سنوات قليلة من نزول علي بن التهامي الوزاني في “بو أحمد” لحقت به أخته الولية الصالحة المعروفة ب”للا الهاشمية”، والتي كانت تعرف عند أهل غمارة ب”العدوية” تشبيها لها ب”رابعة العدوية” المتصوفة الشامية الشهيرة، ويقال إن خلوتها كانت بمرسى قرية “بو أحمد” المعروف ب”الشماعلة” والذي يقال أيضا إنها أول من أطلق عليه هذا الاسم، وقد توفيت سنة 1151 هـ/ 1738م وروضتها الآن مشهورة بمقابر “بو أحمد”، وقد بقيت الزاوية الوزانية من بعدها معقلا لحفظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، وكان لشرفائها الدور الأكبر في التدخل لفض النزاعات بين القبائل الغمارية التسعة أو بينها وبين قبيلة الأخماس المجاورة.
وكان توفر القبيلة البوزراتية على زاوية بهذا الحجم عاملا أساسيا في استقبالها للكثير من المريدين والطلبة من كل ناحية، ومن أمثلة ذلك كثرة العائلات التي هاجرت من فاس أو من ضواحي فاس، ومنها عائلة “الزواوي” التي تعود أصولها البعيدة إلى بلاد “زواوة” بالمغرب الأوسط، وعائلة “المغيلي” التي جاءت من نواحي تازة ونسبتها إلى “مغيلة” وهي قبيلة عظيمة من قبائل بربر المغرب الأوسط. ومن الملاحظ أن هجرة الأندلسيين إلى هذه القبيلة لم تكن بحجم الهجرة نحو القبائل الأخرى، ومن الأسر المعروفة بانتسابها إلى الأندلس أسرة “شندير” التي يعرف المدشر الذي تقطنه ب”إشنديرن”، وأسرة “برهون” التي توجد بكثرة في “بواحمد” ومرساها المعروف ب”الشماعلة” والكثير من المداشر الأخرى، ولكن نزولها الأول بعد هجرتها من غرناطة كان في قبيلة بني جرير كما يأتي.
