بلال الداهية
إن قبيلة الأخماس هي إحدى أكبر قبائل شمال المغرب مساحة، وأكثرها غنى بالماء وأنواع الغابات والزروع والثمار، إذ بها إلى جانب العيون الصافية منابع الكثير من الأنهار أغلبها تعد من الفروع المغذية لنهرين كبيرين جدا هما نهرا: “لو” الذي يصب في البحر الأبيض المتوسط، و”لوكوس” الذي يصب في المحيط الأطلنتي. ومنبع الأول من جبل “تيسوكا” قرب مدينة الشاون التي تقع في تراب القبيلة. أما منبع الثاني من جبل الخزانة الذي فوق مركز “باب تازا” القروي غير بعيد أيضا عن مدينة الشاون. وجبال هذه القبيلة شاهقة الارتفاع جعلتها تقسم في العادة إلى أخماس عليا وأخماس سفلى، امتدت الأولى من حوز مدينة الشاون ملاصقة لجبال غمارة فكان الجبل الأشهب (الجبل الأقرع) أعلى قممها إذ يتجاوز ارتفاع ألفين ومئة متر، ومن الجبال الشاهقة القريبة منه جبال الخزانة والسوكنة وجبل ماكو وجبل أبي سليمان وجبل أبي حلة (بوحلة) حيث يوجد أحد أكبر المنحدرات الكارستية في العالم، وجبل تلاسمطان…
إن امتداد الأخماس على مساحة شاسعة يجعل حدودها تلتقي مع الكثير من القبائل الأخرى: فمن الشمال غمارة (بنو زجل) وبنو حسان، ومن الغرب بنو عروس وبنو يسف وبنو زكار، ومن الشرق غمارة (بنو سلمان وبنو خالد)، ومن الجنوب بنو أحمد واغزاوة.
كلمة “الأخماس” كلمة عربية، وهي جمع “خمس” بضم الخاء، وهو لفظ كثير الدلالات في اللغة والتاريخ، يفيد تقسيم الكل إلى خمسة أجزاء، واستعمل في التاريخ الإسلامي المبكر للدلالة على “خمس” الغنيمة الذي يوزع بين المجاهدين في مقابل ذهاب الأخماس الأربعة الباقية إلى بيت المال. ومن الملاحظ أيضا أن بعض الأمصار ذات الصبغة العسكرية في بداية التاريخ الإسلامي كالبصرة أو الكوفة كانت تقسم بين القبائل العربية التي استوطنتها بعد الفتح على هيئة الأخماس. ومن ذلك أن أجناد الشام في العهد الراشدي والأموي كانوا يقسمون إلى خمسة أخماس: جند دمشق وجند الأردن وجند فلسطين وجند حمص وجند قنسرين… وإن الروايات التاريخية القليلة المتوفرة حول هذه القبيلة لا تخرج عن هذا السياق فترجع أصل تسمية هذه القبيلة إلى العهود الإسلامية المبكرة.
لكن ما لا شك فيه إطلاقا أن جماعات من البشر كانت تسكن هذه الناحية في العصور القديمة، وقد أكد البحث الأثري الإسباني قبل ما يقرب من قرن من الآن أن قرية “غيروزيم” في ضاحية الشاون، كانت مركزا رومانيا، وكانت بها آثار قناطر رومانية قديمة، وجدت آثار شبيهة بها في قرية “تالمبوط” القريبة والداخلة في حدود غمارة، ولعل “غيروزيم” في عهد الرومان كانت مركز حراسة مثلها مثل “تالمبوط” يشرف على الطريق النازل إلى شاطئ البحر.
إن خلاصة الروايات المتعلقة بأصل تسمية القبيلة عند دخول الإسلام إلى المغرب تفيد أن الإسلام دخلها مع موسى بن نصير، وإنه في عام 87 هـ جاء رجل من مصر من بني أمية، هو أبو اليمان يرسول (أو يلصو)، فنزل على موسى بن نصير فولاه هذا الأخير تلك الجبال لتعليم أهلها قواعد الإسلام، فنزل بها بالموضع الذي سمي “الخزانة”، ومعناه “الخيمة”، إذ نصب فيه خيمة عظيمة وأقام بها. وكان مرور طارق بن زياد من تلك الجبال في نفس الوقت، ولعل “يلصو” هذا كان معه، وهو يهيء لحملة فتح الأندلس فبنى على ما يقال المسجد العتيق الموجود في قرية “الشرافات” الآتي الكلام عنه قبل عبوره إلى الجزيرة.
من كان يلصو هذا من بني أمية وما نسبه فيهم؟
عثرنا في المصادر على ثلاثة سلاسل لأبي اليمان يلصو كلها تجمع على أنه حفيد أبان بن عثمان بن عفان، إلا أنها اختلفت في أي أبناء أبان هو أبوه: فصاحب “الروضة المقصودة” أبو الربيع سليمان الحوات الشفشاوني ذكر أنه ابن عبد الله بن أبان، والأديب الأريب علي مصباح الزرويلي – وهو من سلالة يلصو – ذكر بصيغة التمريض أنه ابن محمد بن أبان بن عثمان، وأما الإمام الهبطي فذكر في فوائده أنه ابن مروان بن أبان بن عثمان. وإذا عدنا إلى “جمهرة” ابن حزم الأندلسي فإننا لا نجد لأبان بن عثمان، وهو الذي شهد وقعة الجمل مع عائشة رضي الله عنها، ولدا اسمه عبد الله ولا محمد، بل كان له خمسة أولاد من جملتهم “مروان”، فتكون بذلك سلسلة الهبطي الأقرب للصحة.
ومما لا شك فيه أن “يلصو” ليس اسم الرجل على الحقيقة لأنه أعجمي وليس في أسماء العرب ما ينتهي بواو ممدودة مدا مطولا في الآخر، وحتى “يرسول” ليس اسمه على الحقيقة لأنه مجرد تحريف عامي لكلمة “يلصو” التي نجدها مثبتة في النصوص القديمة، فلا شك أن “يلصو” لقب لقبه به أهل البلاد وليس اسمه على وجه الحقيقة.
إن استيطان أبي اليمان يلصو في هذه الجبال بغاية نشر الإسلام يفيد أنها كانت مأهولة بالسكان، فمن كان هؤلاء؟
لا تصرح المصادر بشيء عن سكان الأخماس الأقدمين، غير أن الكثير من القرائن تدل على أنهم كانوا من صنهاجة لا من غمارة كما هو شائع، وإن كانت الناحية كلها قد سميت “جبال غمارة”. ومن جملة ما يدل على ذلك أن أحد هذه الأخماس يسمى “بني دركول”، وقد عدهم ابن خلدون في صنهاجة (مع كتابة اللام نونا، وهذا لا يغير شيئا إذ مخرج الحرفين تقريبا واحد). ومنه بعض الروايات الشفهية التي ترفض إطلاقا إدراج الأخماس في كتلة “غمارة”، ومنها العصبية القديمة التي كانت موجودة بين الطرفين والتي حفرت ذاكرتهما بسجال من الحروب منذ العصر الوسيط إلى حدود فترة الحماية الإسبانية. ولعل هذه العصبية والحروب القديمة بين غمارة والأخماس هي في أصلها البعيدة عصبية غمارية/ صنهاجية إلى جانب بعد ديني محتمل كما يأتي.
يتبع
الصورة لمدشر “الخزانة” وأمامه يظهر الجبل الأقرع وقد غطى الثلج قمته في شهر مارس 2017.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد الأخماس [1]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/33505970_756210267914650_4351696143168569344_n-1.jpg)