بلال الداهية
منذ العصور القديمة كانت بلاد أنجرة ملجأ للكثير من الهجرات البشرية، والموضع الأثري المعروف قرب مصب الوادي بشاطئ قصر المجاز، والمسمى ب”ظهر أسقفان”، والذي قد يعود تاريخه إلى الفترة الفينيقية، كان عبارة عن مدينة مكتملة المعالم لعلها هي مدينة Turbice الذي ذكرها الجغرافي المجهول المنسوب إلى مدينة رافينا Ravenna الإيطالية والذي كان حيا في القرن السابع الميلادي. وهو نفس الجغرافي الذي يذكر أن السكان الموريين في عهده كانوا يسمون المضيق الفاصل بين قصر المجاز والأندلس Abrid ولفظ “أبريد” بربري يعني الممر.وهو الممر الذي زعم القدماء أنه كان متصلا يربط القارتين الإفريقية والأوروبية، ونسب الإغريق فصلهما إلى هرقل، بينما استنسخ بعض الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، خاصة من أهل الأندلس، هذه الأسطورة، مع تعويض هرقل بالملك الاسكندر المقدوني.
وقد كان قصر المجاز هذا أو “قصر الجواز” كما سماه بعض مؤرخي الأندلس، أو “قصر مصمودة”، ممرا تاريخيا نحو الأندلس بالنسبة للموريين الأقدمين الذين تتحدث المصادر الرومانية عن بعض غاراتهم على الشاطئ الآخر، أو بالنسبة للفاتحين المسلمين الأوائل، ثم لكل من كان يرغب في الالتحاق بالأندلس من تجار وطلبة علم وغيرهم، أو لسلاطين المرابطين والموحدين والمرينيين الذين كانوا يعبرون بقصد الجهاد حاملين معهم مئات المتطوعين من أهل الجبال إلى أن سقط في يد البرتغاليين. ثم أصبح هذا القصر منزلا للكثير من أهل الأندلس الفارين بعد سقوط بلادهم بيد الممالك النصرانية، خاصة بعد وقعة العقاب التي تلتها بسنوات قليلة هجرة أهل إشبيلية إثر سقوط مدينتهم ولم تنقطع هجرة أهل الأندلس منذ حينها إلى ديار أنجرة إلى حدود 1609 تاريخ الطرد النهائي للأندلسيين الأواخر.
وقد طبع الأندلسيون هذه القبيلة بشكل خاص بطابعهم، فلا تخلو منازلها من النظافة وحسن الترتيب، خاصة كلما اتجهنا نحو البحر، وتتميز لهجة أنجرة عن باقي لهجات القبائل الجبلية بوجود مصطلحات ومخارج حروف خاصة، كما تتميز بشرة الكثير من السكان بالميل إلى الشقرة، وغيره مما هو مشاهد ومعهود، وبألقاب عائلية لها نظائر في الأندلس كبني الخليع الإشبيليين بمدشر “اخليعش” وكان موطنهم الأقدم ب”حصن تاكرنا” Tacarona ناحية رندة وأصلهم بربر ونسبهم في قبيلة مديونة. وبني العفاقي الغافقيين، وقد كانت إشبيلية نفسها موطنا لغافق في العهد الإسلامي، والشعيريين المنسوبين في الغالب إلى “الشعير” من بادية إشبيلية، وبني الشاط الأنصاريين المهاجرين من الأندلس أيضا إلى سبتة أولا ثم منها إلى أنجرة… وهكذا فإن المتتبع لألقاب الأسر الأنجرية يجد لها نظائر في الغالب في إشبيلية مما يوحي بأن هذه القبيلة استقبلت الجالية الإشبيلية بعد سقوط المدينة في نهاية العهد الموحدي أولا قبل أن تستقبل باقي المهاجرين الوافدين من الأندلس في قرونها الأخيرة. وقد فصل د. رشيد العفاقي في موضوع الأندلسيين في أنجرة من كل ناحية في مقال رصين منشور في “مجلة التاريخ العربي” فأجاد وأفاد، فليراجع هناك بالتفصيل.
لا شك أن أكثرية السبتيين أيضا الذين تركوا مدينتهم بعد احتلالها من طرف البرتغاليين لجؤوا إلى قبيلة أنجرة، وهي أقرب القبائل إليهم، بل إننا أصبحنا نملك الآن نصين يقطعان بحدوث هجرة سبتية ضخمة إلى قبيلة أنجرة، هما نص الفقيه الشراط الذي نشره ابن عزوز حكيم في كتاب “لماذا نطالب باسترجاع سبتة ومليلية؟” ونص الفقيه الماوي الذي قمنا بنشره في كتابنا “تطوان وباديتها”. هذا دون أن ننسى أن الكثير من السبتيين أصلهم أندلسي.
ولا تخلو قبيلة أنجرة من أسماء أماكن تدل على جماعات بشرية أخرى غير المصامدة والأندلسيين والسبتيين، ومنها اسما “بني مصالة” (ينطق الآن بني مزالة) و”ملوسة”، وهما من أشهر مداشر القبيلة، يطل الأول على مدينة الفنيدق، ولا يبعد الثاني كثيرا عن مدينة طنجة. وهما قبيلتان تعتبران حسب شجرة أنساب البربر من قبائل كتامة، وكانت لفظة ملوسة تكتب في العادة قديما “ملوثة”. بل إن اسم “كتامة” نفسه يحمله مدشر قريب من الحد بين فرقتي الغابويين والبحراويين، علما بأن البكري كان قد أشار في القرن الخامس للهجرة إلى وجود كتامة في أحواز طنجة.
وفي قبيلة أنجرة أيضا نجد مدشر “وادي الخلوط”، وليست النسبة براجعة إلى استقرار أفراد أصلهم من عرب الخلط الذين بحوز مدينة القصر الكبير، بل إلى مشاركة فريق من هؤلاء ضمن الجيش المغربي الذي جاء لقتال الإسبان في “حرب تطوان” في منتصف القرن التاسع عشر للميلاد، فأقامت الفرقة التي جاءت من الخلط معسكرها بتلك الناحية وغلب اسمهم عليها.
![من تاريخ بادية الشمال: بلاد أنجرة [3]](http://ma3alim.com/wp-content/uploads/2025/02/images-8.jpeg)